عن دول المشروع
المغرب
حرية التعبير
الإصلاحات
التعددية
الرقابة والرقابة الذاتية
التضليل الإعلامي
الوصول للمعلومات
أمن وسلامة الصحافيين
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
الإعلام النستقل : الوضع العام والتحديات
التربية الإعلامية والمعلوماتية
النوع الاجتماعي والإعلام
تغطية قضايا البيئة
تغطية قضايا الهجرة
الذكاء الاصطناعي
مراسلون بلا حدود١٢٠/١٨٠
فريدوم هاوس: ٣٧/١٠٠ (حر جزئياً)
مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): ٩٩/١٨٠
يشهد المشهد الإعلامي المغربي تطوراً في سياق يتسم بتحولات مؤسساتية وصعوبات اقتصادية مستمرة. فعلى الرغم من إطلاق الحكومة عدة إصلاحات تهدف إلى إعادة هيكلة قطاع الصحافة عام ٢٠٢٥ الا أن ظروف ممارسة العمل الصحفي لا تزال هشة ولا يزال النظام الإعلامي الوطني يواجه تحديات هيكلية كبيرة.
حرية التعبير
تبقى حرية التعبير في المغرب مقيدة إلى حد كبير. فعلى الرغم من أنها مكفولة رسمياً بموجب الدستور، إلا أن ممارستها تظل محدودة في إطار قانوني يمكن تفسيره في عدة طرق. فتزايد المتابعات القضائية التي تستهدف الصحفيين أو الأصوات الناقدة مما يؤدي الى توليد مناخ من الرقابة الذاتية، خاصة فيما يتعلق بالمواضيع الحساسة.
الإصلاحات الحكومية
في عام 2025، أطلقت الحكومة عدة إصلاحات تهدف إلى تحديث القطاع الإعلامي، لا سيما قطاع الصحافة المكتوبة الذي كان يعاني منذ سنوات من أزمة هيكلية ومؤسساتية. وقد صادق مجلس النواب في نهاية العام على مشروع قانون لإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة. وقد أثار هذا المشروع جدلاً واسعاً في صفوف المهنيين بسبب تأثيره على استقلالية هيئة التنظيم الذاتي، قبل أن تقوم المحكمة الدستورية برقابة جزئية عليه، وهو حالياً قيد النقاش في البرلمان بصيغة معدلة.
بالتوازي، تم وضع إطار جديد للدعم الحكومي للصحافة. وعلى رغم من الزيادة الكبيرة في ميزانية الدعم، إلا أن بعض معايير الأهلية غدت أكثر صرامة، مثل الحد الأدنى لعدد الصحفيين في هيئات التحرير الرقمية أو حجم المدخولات للمؤسسة. هذه المعايير قد تحد من امكانية وسائل الإعلام الصغيرة لطلب الدعم، خصوصاً تلك المؤسسات الصغيرة التي تلعب دوراً أساسياً في الإعلام المحلي.
وفي قطاع السمعي البصري، أطلقت الحكومة مشروع إنشاء شركة قابضة تهدف إلى تجميع أبرز وسائل الإعلام الحكومية، بغية مركزية إدارتها وتعزيز التنسيق بينها.
التعددية
يتسم المشهد الإعلامي المغربي بالتنوع: صحافة مكتوبة، قنوات سمعية بصرية، وقطاع رقمي يشهد نمواً متسارعاً، حيث تتيح وسائل الإعلام الإلكترونية فضاءات للنقاش وتبادل الآراء. غير أن هذه التعددية تظل محدودة بسبب الضغوط السياسية والاقتصادية والقضائية التي قد تؤثر على استقلالية الخط التحريري. وبالتالي، فرغم وجود تنوع فعلي في الوسائط والفاعلين، فإن إطاره يبقى شكلياً إلى حد ما.
الرقابة والرقابة الذاتية
تنتشر الرقابة الذاتية بشكل واسع داخل القطاع، خاصة فيما يتعلق بثلاثة مواضيع حساسة تُعرف بـ«الخطوط الحمراء»: الملكية، الدين، ووحدة التراب الوطني فيما يخص قضية الصحراء الغربية. ورغم أن قانون الصحافة ألغى العقولات المتعلقة في حرية التعبير، إلا ان القانون الجنائي لا يزال ينص على عقوبة السجن لكل من يتحدث أو يكتب عن هذه المواضيع. كما قد تشمل الرقابة الذاتية قضايا سياسية أو أمنية أخرى.
فلا تزال الرقابة قائمة لكنها تتخذ غالباً أشكالاً غير مباشرة، إما عبر ضغوط اقتصادية مثل المقاطعة الإعلانية، أو عبر المسار القضائي.
ويعد الحكم المؤيد استئنافياً في يونيو 2025 ضد الصحفي حميد المهداوي، والقاضي بسجنه 18 شهراً وغرامة قدرها 1.5 مليون درهم بتهمة التشهير بوزير العدل، مثالاً دالاً على ذلك.
التضليل الإعلامي
يُعد التضليل الإعلامي ظاهرة عالمية لا يستثنى منها المغرب. فقد أدى تزايد وسائل الإعلام الرقمية ولجوء بعض المنابر الباحثة عن الإثارة إلى تفاقم ضعف الالتزام بأخلاقيات المهنة وانتشار الأخبار الزائفة.
ولمواجهة ذلك، تم العمل بعدة آليات منها القانوني الذي يهدف لمعاقبة نشر الأخبار الكاذبة، أو من خلال إنشاء خلية للرصد والتحليل لمتابعة حملات التضليل. كما اعتمدت بعض المؤسسات الإعلامية ممارسات للتحقق من المعلومات المتداولة. وتم تنظيم ورشات تدريبية لتعزيز مهارات التحقق لدى المهنيين.
ومع ذلك، لا يزال التضليل يمثل تحدياً كبيراً، خاصة بسبب الأزمة الهيكلية التي يعاني منها قطاع الصحافة، مما يضعف إنتاج محتوى عالي الجودة ويعرقل مكافحة الأخبار الزائفة. ووفقاً لتقرير الأخبار الرقمية 2025 الصادرعن معهد رويترز لدراسة الصحافة، فإن نحو 54٪ من المغاربة يجدون صعوبة في التمييز بين الصحيح والزائف على الإنترنت.
حق الوصول إلى المعلومات
لا يزال الوصول إلى المعلومات محدوداً بسبب ضعف الشفافية والتواصل من جانب السلطات. وعلى الرغم من وجود قانون خاص (القانون رقم 31-13 الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2019)، فلا يزال وصول المعلومات إلى المعلومة صعباً ويعيداً عن الشفافية التامة، خصوصاً بالنسبة للصحفيين المستقلين.
وسجلت لجنة الحق في الحصول على المعلومات ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الشكاوى، مما يعكس محدودية الإطار الحالي. في هذا السياق أُطلق نقاش مؤسساتي منذ سبتمبر 2024 لمراجعة هذا القانون بهدف تحسين فعاليته.
أمن وسلامة الصحافيين
تظل سلامة الصحفيين هشة، حيث يواجهون مخاطر متعددة مثل الرقابة الرقمية، والضغوط على محيطهم، وأشكال مختلفة من الترهيب عند تناول مواضيع حساسة. كما تُستخدم تهم التشهير أحياناً كأداة لتقويض مصداقية الصحفيين، إضافة إلى إمكانية توظيف المتابعات القضائية ضد بعض الأصوات الناقدة.
آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
تعتمد غالبية وسائل الإعلام التقليدية على نموذج اقتصادي قائم أساساً على الدعم الحكومي وسوق إعلانية ضعيفة وغير متكافئة. وقد بلغ حجم السوق الإعلاني (باستثناء إعلانات الطرق) حوالي 4.9 مليار درهم مغربي سنة 2024، لم تحصل الصحافة المكتوبة منها سوى على 10.2٪، موزعة كما يلي :
الصحافة المكتوبة: 500 مليون درهم
التلفزيون: 2.5 مليار درهم
لإذاعة: 1.9 مليار درهم
وفي القطاع الرقمي، حيث بلغ حجم السوق بين 2 و2.5 مليار درهم، استحوذت المنصات الدولية على معظم العائدات، بينما لم تستفد الجهات المحلية سوى من 7٪ (حوالي 600 مليون درهم).
وتظل أوضاع المؤسسات الصحفية هشة، إذ إن معظمها لا يحقق أرباحاً تُذكر. فمنذ أكثر من خمس سنوات، يستفيد القطاع من دعم استثنائي أُطلق خلال جائحة كوفيد-19، تتحمل الدولة بموجبه أجور الصحفيين. غير أن هذا النظام يواجه انتقادات بسبب التأخر في صرف المستحقات وضعف الشفافية.
الإعلام المستقل: الوضع العام والتحديات
تشير شهادات صحفيين إلى أن مساحة الإعلام المستقل تقلصت خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ إقرار الدعم الاستثنائي سنة 2020، مما زاد من تبعية جزء من القطاع للدولة. وتعتمد المؤسسات الصغيرة غير المستفيدة من الدعم على تمويلات دولية، وتسعى إلى تنويع أنشطتها عبر الاستشارات وتنظيم ورشات تدريبية. كما تتجه بعض الوسائل إلى تطوير نماذج تمويل بديلة (اشتراكات، محتوى مميز، عضويات) لضمان الاستقلالية والاستدامة.
في الوقت نفسه، فإن ظهور الصيغ الرقمية الأقل تكلفة، مثل البودكاست أو قنوات يوتيوب مثل قناة توفيق بوعشرين التي تضم ما يقرب من 332 ألف مشترك – يفتح مساحات جديدة للتعبير ويساعد على تجديد الممارسات الصحفية.
التربية الإعلامية والمعلوماتية
رغم أهميتها في العصر الرقمي، لم تحظَ التربية الإعلامية بعد باهتمام كافٍ من السلطات العمومية. وتظل المبادرات المتوفرة متفرقة وغير مندمجة في استراتيجية وطنية واضحة.
باستثناء بعض المبادرات الفردية – مثل أسبوع الثقافة الإعلامية في المدارس (الذي أطلقته اليونسكو)، وورش العمل والندوات التي تنظمها منظمة ICESCO (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة) أو بعض الأنشطة التي تقوم بها الجمعيات والمؤسسات العامة – لا تزال الإجراءات متفرقة وليست جزءًا من استراتيجية وطنية منظمة تهدف إلى دمج هذا التخصص في المناهج الدراسية.
النوع الاجتماعي والإعلام
على الرغم من التقدّم التشريعي والسياسات الرامية إلى تعزيز المساواة بين الجنسين في المغرب، لا تزال نسبة تمثيل النساء سواء في إنتاج المعلومات أو في المضامين الإعلامية قليلة. ووفقاً للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (HACA)، لم تتجاوز نسبة انتاجات النساء في النشرات والمجلات السمعية البصرية المغربية 18٪ سنة 2024. أما في الصحافة المكتوبة، فالعجز لا يقلّ أهمية، إذ تضع 25٪ فقط من المقالات النساء في صلب السرد مقابل 73٪ للرجال.
وغالباً ما يُحصر دور النساء في أدوار هامشية، حيث يظهرن في معظم الأحيان كشاهدات في مواضيع اجتماعية مرتبطة بالأسرة والصحة وغيرها من جوانب الحياة اليومية. كما لا تزال الصحفيات داخل غرف التحرير يواجهن عراقيل متعددة، من بينها التمييز والتحرش والأحكام المسبقة القائمة على النوع الاجتماعي.
وأخيراً، لا تزال النساء يواجهن صعوبة في اختراق «السقف الزجاجي»، إذ لا تشغل سوى 27٪ منهن مناصب المسؤولية في وسائل الإعلام الوطنية. وفي سنة 2025، ومن أصل 3751 بطاقة صحافة تم تسليمها، مُنحت 1136 بطاقة فقط للنساء.
تغطية قضايا البيئة
عرغم كثرة المقالات المتعلقة في مواضيع البيئة، تبقى التحقيقات المعمقة نادرة وذات المعالجة سطحية، مما يترك المجال مفتوحاً أمام انتشار المعلومات المضللة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وباستثناء بعض المنصات المتخصصة، مثل موقع «لوفير» (LeVert.ma) ومنصة «نشفات» (Nechfate.ma)، تبقى وسائل الإعلام المتخصصة في المجال البيئي قليلة العدد، مما يحدّ من وصول الجمهور إلى معلومات مفصلة ومتعمقة حول القضايا البيئية.
تغطية قضايا الهجرة
لا يزال التناول الإعلامي لقضايا الهجرة، ولا سيما الهجرة الأجنبية في المغرب، يتسم بطابع وصفي ومؤطر إلى حد كبير. وهذا ما خلصت إليه الدراسة التي نشرها سنة 2025 الشبكة المغربية للصحفيين في قضايا الهجرة (RMJM). ويُبرز التقرير، المخصص للصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام الإلكترونية، أن المحتويات الإعلامية تفسح مجالاً محدوداً جداً للتحقيقات الاستقصائية، مفضلةً الاعتماد على الخطابات الرسمية التي تركز أساساً على الهجرة غير النظامية والقضايا الأمنية المرتبطة بها.
كما يشير التقرير إلى ضعف تمثيل المهاجرين المقيمين في المغرب داخل التقارير الإعلامية، في حين تظل النساء المهاجرات والأقليات الأخرى شبه غائبة عن التغطية الإعلامية، مما يعكس محدودية التنوع في الأصوات والروايات التي يتم إبرازها في معالجة قضايا الهجرة.
يُعزى هذا الواقع إلى الصعوبات التي يواجهها الصحفيون في الوصول إلى الميدان والحصول على المعلومات من مصادرها المباشرة، كما يرتبط أيضاً بالقيود التحريرية المفروضة بسبب حساسية الموضوع، وهو ما يحدّ من إمكانية إنجاز تحقيقات معمقة وتقديم تغطية إعلامية أكثر شمولاً وتوازناً.
تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام.
بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض غرف الأخبار، لكنه لا يزال محدوداً بسبب تكلفته وصعوبة اعتماده. ويُستخدم أساساً لتحسين المحتوى، وإنشاء مواد بصرية، والترجمة، وإنتاج أخبار رياضية ومالية.
ورغم بعض المبادرات، لا يزال نقص التدريب والإطار الأخلاقي يشكلان عائقاً كبيراً، حيث يرى 67٪ من المهنيين أنهم غير مهيئين بشكل كافٍ، بينما يعتبر 33٪ أن التدريب في هذا المجال شبه منعدم.
الجزائر
المؤشرات الدولية في حرية الصحافة
نتيجة ثابتة تعكس استمرار القيود.
الرقابة والرقابة الذاتية والإعلام المستقل
االتنمية الإقتصادية لقطاع الإعلام والدعاية
وسائل التواصل الإجتماعي، المعلومات المضللة والتحقق من المعلومات
المؤشرات الدولية
تشهد حالة وسائل الإعلام في الجزائر تطوراً متبايناً. فقد سجلت البلاد في عام 2025 تحسناً ملحوظاً في بعض التصنيفات الدولية المتعلقة بحرية الصحافة، مع بقائها مصنفة ضمن فئة البلدان التي يُعتبر الوضع فيها صعباً.
جدول المؤشرات
يعزى هذا التحسن في تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود جزئياً إلى التطورات النسبية بين البلدان وإطلاق سراح الصحفي إحسان القاضي في عام 2024، بعد 22 شهراً من السجن.
ومع ذلك، تشير العديد من المنظمات الدولية إلى أن هذا التقدم الإحصائي لا يعني اختفاء الملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين.
حرية التعبير
يضمن الدستور الجزائري لعام 2020 رسمياً حرية التعبير وحرية الصحافة. لكن في الواقع العملي، لا يزال ممارسة العمل الصحفي خاضعة لعدد من الأحكام الجنائية والإدارية.
يمكن مقاضاة الصحفيين أو النشطاء أو الباحثين الذين ينتقدون المؤسسات على أساس تهم جنائية مثل:
- المساس بالوحدة الوطنية
- تمجدي الإرهاب
- نشر المعلومات الكاذبة والمضللة
- الكشف عن وثائق سرية
- المساس بالمصالح الوطنية
تشير العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية (منظمة مراسلون بلا حدود، منظمة العفو الدولية، منظمة المادة 19) إلى تزايد الملاحقات القضائية للمحتوى الإعلامي، لا سيما على المنصات الرقمية.
لا تزال مساحات النقاش موجودة بشكل أساسي على الإنترنت، لكنها تخضع لمراقبة متزايدة.
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
يُعد القانون الأساسي رقم 23-14 بتاريخ 27 أغسطس 2023 المتعلق بالإعلام الإصلاح من أبرز التغييرات الحديثة في قطاع الإعلام.
وقد أدخل عدة أحكام مهمة، من بينها :
- الحظر الصارم لأي تمويل أجنبي لوسائل الإعلام الوطنية
إلزام مواقع الصحافة الإلكترونية بالاستضافة تحت النطاق الوطني .- توضيح صفة الصحفي المهني
- إنشاء مجلس لأخلاقيات المهنة يُنتخب من قبل الصحفيين
- تعزيز صلاحيات سلطة ضبط الصحافة المكتوبة
ومع ذلك، لا يزال عدد من المواد المنصوص عليها في القانون غير مفعّلة حتى الآن، لا سيما تلك المتعلقة في :
- مجلس أخلاقيات المهنة
- سلطة ضبط الصحافة المكتوبة ASJP
في قانون العقوبات، تستخدم بعض المواد بانتظام في القضايا المتعلقة في الصحفيين ومنها :
- المادة رقم 63 مكرر: المتعلقة بكشف معلومات سرية (أمنية/اقتصادية وطنية) على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد.
- المادة رقم 87 مكرر (وما يليها): تُعد تعريفًا فضفاضًا للإرهاب، وتُستخدم بشكل متكرر منذ 2021 لملاحقة صحفيين بتهم “التآمر” أو دعم منظمات مصنفة إرهابية.
- المادة رقم 96: المتعلقة بالمساس بالمصلحة الوطنية، وتعاقب على نشر منشورات أو بيانات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية.
- المادة رقم 95 مكرر: المتعلقة بالتمويل الأجنبي، وتعاقب على تمويل أنشطة تمس بالنظام العام أو الوحدة الوطنية.
- المادة رقم 196 مكرر: المتعلقة بنشر أخبار كاذبة قد تمس بالنظام العام أو الأمن العام.
تتعرض هذه الأحكام لانتقادات من بعض المنظمات التي ترى أنها قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير النقدي.
التعددية
يتسم المشهد الإعلامي الجزائري بشكل عام بالتعددية
إذ يضم البلد:
- أكثر من مئة صحيفة يومية
- نحو 200 موقع إخباري
- عدة قنوات تلفزيونية خاصة (غالبًا مسجلة في الخارج)
غير أن التنوع التحريري يظل محدودًا.
فجزء كبير من وسائل الإعلام العامة والخاصة يتبنى مواقف قريبة من المؤسسات، خاصة في القضايا السيادية مثل:
- الدفاع
- الأمن الوطني
- السياسات الخارجية
وتواجه وسائل الإعلام المستقلة عدة صعوبات:
- رفض أو تأخير منح التراخيص
- حجب المواقع الإخبارية (DNS)
- عدم الحصول على موافقة لتنظيم بعض الفعاليات الرسمية
- غياب الوصول إلى الإشهار العمومي
الرقابة والرقابة الذاتية
تعد الرقابة المباشرة المسبقة نادرة نسبياً.
عد الرقابة المباشرة المسبقة نادرة نسبيًا. لكن العديد من المراقبين يشيرون إلى انتشار واسع للرقابة الذاتية، المرتبطة في:
- المخاطر القضائية
- الضغوطات الاقتصادية
- العقوبات الإدارية
ومن بين المواضيح ذات الحساسية العالية :
- الجيش
- الوحدة الوطنية
- المؤسسات ذات السيادة
كما تبقى بعض المواضيع قليلة التغطية، خاصة التحقسقات المتعلقة بالمشتريات العامة والعطاءات.
صحفيون موقوفون أو متابعون (ِأخر تحديث شباط /فبراير 2026)
يتعرض مالا يقل عن أربعة صحفيين للاحتجاز أو المتابعة بسبب نشاطهم المهني وهم :
- كريستوف غليز، موقوف منذ يوليو 2025
محكوم بـ 7 سنوات سجن قسد التنفيذ- التهمة : تمجيد الإرهاب
- تقديم طلب عفو في ديسمبر 2025
- حملة دعم من منظمة مراسلون بلا حدود في يناير 2026
عبد العالي مزغيش
- رهن الحبس المؤقت منذ فبراير 2026
- التهم: محتوى يمس بالمصلحة الوطنية والتحريض على تجمع
عمر فرحات
- مسؤول وصحفي في موقع “الجزائر سكوب”
- رهن الحبس المؤقت
التهمة: نشر أخبار كاذبة
سفيان غيروس
- صحفي في موقع “الجزائر سكوب”
- رهن الحبس المؤقت
- نفس تهمة زميله
وتشير منظمات غير حكومية إلى الاستخدام المتكرر للحبس المؤقت في قضايا التعبير الإعلامي.
وضع وسائل إعلام خاصة في الجزائر
توالى
- وسيلة إعلام إلكترونية أُطلقت عام 2020:
- حيث عان الموقع من تعليق إداري لمدة 15 يومًا (30 سبتمبر – 14 أكتوبر 2025)
- و سحب الإشهار العمومي
الجزائر سكوب
- وسيلة إعلام إلكترونية يخضع مسؤولوها للمتابعة حاليًا بتهمة نشر أخبار كاذبة،
- مع سحب الإشهار العمومي منذ 2 فبراير.
تعكس هذه الحالات هشاشة الوضعين الاقتصادي والقانوني لوسائل الإعلام المستقلة.
التضليل الإعلامي وشبكات التواصل
يشهد المشهد الإعلامي انتشارًا واسعًا للأخبار المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد يتعرض الصحفيون لـ:
- حملات تشويه
- مضايقات إلكترونية (trolling)
- كشف بيانات شخصية (doxing)
ومن الأمثلة، تعرضت الصحفية سليمة تلمساني لهجمات إلكترونية بعد تغطية محاكمة رجل أعمال فار.
وتوجد مبادرات للتحقق من المعلومات المنتشرة، لكنها محدودة الإمكانات.
حق الوصول إلى المعلومات
يبقى الوصول إلى المعلومات العمومية تحديًا كبيرًا.
ولا توجد حتى الآن في الجزائر قوانين مماثلة لقوانين حرية الحصول على المعلومات
يعتمد الصحفيون بشكل كبير على.
- البيانات الرسمية
- وكالة الأنباء الجزائرية.
كما تتسم الإدارة بدرجة عالية من الغموض، مما يصعّب التحقق المستقل من المعلومات.
أمن وسلامة الصحافيين
الوضع الأمني الجسدي للصحفيين مستقر نسبيًا.
لكن السلامة القانونية تبقى مقلقة،
مع مخاطر مثل:
- الاستدعاءات الأمنية
- الاجراءات القضائية الطويلة
- الحبس المؤقت
ومن الأمثلة، يواجه الصحفي مصطفى بن جامع عدة متابعات قضائية، وقد قضى سابقًا سنتين في السجن.
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تسود ثلاثة نماذج رئيسية:
- وسائل الإعلام الحكومية
- وهي ممولة من الخزينة العامة للدولة
- وسائل الإعلام الخاصة الكبرى
- والتي تعتمد بشكل كبير على الإعلانات والدعاية الحكومية والتي تشكل دعم كبير لتلك الوسائل
- وسائل الإعلام المستقلة
والتي تعتمد على
- الإعلانات الخاصة
- الاشتراكات الشهرية على مواقعهم الرقمية
لكن يبقى سوق الدعاية والإعلان الخاص محدوداً في الجزائر.
التربية الإعلامية والمعلوماتية
لا توجد سياسة وطنية منظمة لتطوير للتربية الإعلامية والمعلوماتية في المنطقة.
أما عن المبادرات الحالية، فتقودها جهات مثل:
- اليونسكو
- وزارة الاتصالات
- مختبرات الأعلام “المجاهد “
- المبادرات الجماعية
ويبقى التحدي الأساسي هو توعية الجمهور بالتحقق من المعلومات.
النوع الاجتماعي والإعلام
توجد نسبة كبيرة من النساء في غرف التحرير، خاصة في الصحافة الفرنكوفونية،
لكن تمثيلهن في المناصب القيادية يبقى محدود.
تستمر تغطية قضايا المرأة والجندرة في التقدم في الجزائر، لكنها في بعض الأحيان تظل محدودة أو مثيرة للجدل.
تغطية القضايا البيئية
زادت التغطية الإعلامية للقضايا البيئية بسبب الأزمات المناخية،
ولكن
- الخبرات الصحفية لا تزال محدودة
- وتعتمد على المصادر الرسمية فقط.
مع ظهور مبادرات جديدة، مثل جائزة بيئية أطلقتها وكالة أنباء طارق، بالإضافة إلى جائزة أطلقتها مجموعة لافارج هولسيم، زاد حماس وسائل الإعلام لتغطية هذه المواضيع بشكل متكرر وبمزيد من الدقة.
تغطية القضايا المتعلقة بالهجرة
الهجرة موضوع حساس،
مع صعوبة وصول الصحفيين إلى مناطق العبور في الجنوب.
تتراوح التغطية بين :
- البعد الانسان لمواشيع الحراغة الجزائريين
- المقارة الأمنية المتعلقة في هجرات من الصحراء الغربية
ويشير العديد من المراقبين أيضاً إلى تعتيم إعلامي ضمني في السنوات الأخيرة فيما يتعلق برحيل الحراغة إلى إسبانيا أو إيطاليا.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي محدودًا، ولا يوجد إطار أخلاقي وطني واضح لتنظيم مخاطره.
تقوم وكالة APS وبعض غرف الأخبار بتجربة أدوات توليد المحتوى التلقائي، لكن هذا لا يزال في مرحلة التجربة والخطأ والتجريب.
ومع ذلك، لا يزال لا يوجد إطار أخلاقي وطني لإدارة المخاطر:
- تقنية التزييف العميق
- الانتحال الآلي
- التلاعب بالصور أو مقاطع الفيديو.
التحليل العام
تُظهر وضعية الإعلام في الجزائر صورة مزدوجة:
- التطورات الإيجابية
- التحسن في ترتيب الجزائر في المؤشرات الدولية مثل كراسلون بلا حدود
- غياب الاعتداءات الجسدية الخطيرة على الصحافيين
- التعددية والتنوع في وسائل الإعلام
- التحديات التي لا تزال موجودة :
- متابعات قضائية ضد الصحافيين
- الحبس المؤقت
- التباعية الاقتصادية للاعلانات الحكومية
- الرقابة الذاتية وصعوبة الوصول للمعلومات
وترى عدة منظمات أن تحسين الوضع يتطلب :
- اصلاحات قانونية
- ضمانات فعلية للاستقلالية المالية للمؤسسات الإعلامية
- تعزيز الدعم القانوني وحماية الصحافيين
ويبقى المشهد الإعلامي خاضعًا لنقاش مستمر حول حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات.
تونس
المراجع
📊 تقارير المنظمات الدولية والتحليلات الخارجية
📊 تحليلات اقتصادية لقطاع الإعلام التونسي
📍 مراجع عامة وسياق تحليلي
- التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2025: المرتبة 129 من أصل 180 – منظمة مراسلون بلا حدود
- تقرير الحرية في العالم 2025: «حرّة جزئياً» (44/100) – منظمة فريدوم هاوس
- مؤشر مدركات الفساد 2024: 39/100 (حوالي المرتبة 91 من أصل 180) – منظمة الشفافية الدولية
المقدمة
يشهد المشهد الإعلامي التونسي تحولات عميقة، إذ يتأرجح بين التقاليد والابتكار. فمنذ ثورة عام 2011، أصبحت الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون تتعايش بشكل متزايد مع وسائل الإعلام الرقمية والمنصات المستقلة، مما أتاح تنوعاً غير مسبوق في الأصوات والآراء. وقد أتاح هذا الانفتاح للمواطنين فرصاً أوسع للحصول على المعلومات، والمشاركة في النقاشات العامة، والتعبير عن آرائهم أكثر من أي وقت مضى.
ورغم هذه المكاسب، لا يزال قطاع الإعلام هشّاً أمام الضغوط الاقتصادية، وتحديات كثرة وسائل الإعلام، ومحدودية فعالية الأطر التنظيمية، وهو ما يذكّر بأن حرية الإعلام وجودة المعلومات تظلان تحديين مستمرين يتطلبان جهداً دائماً.
حرية التعبير
خلال عامي 2025–2026، تواصل حرية التعبير في تونس في التراجع مقارنة بالفترة التي أعقبت ثورة 2011. فمنذ تركّز السلطات بيد الرئيس قيس سعيّد في يوليو/تموز 2021، انتقل المشهد الإعلامي تدريجياً من فضاء تعددي يتسم بالحيوية والاختلاف إلى بيئة أكثر تقييداً وردعاً.
ويتمثل أبرز هذا التحول في اللجوء المتزايد إلى القضاء لملاحقة التعبير العلني. فقد شملت الملاحقات القضائية صحفيين، ومحللين، ومحامين، ومعارضين سياسيين، بسبب تصريحات إعلامية أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي اعتُبرت «نشرًا لأخبار كاذبة» أو «مساساً بالنظام العام».
ولم تعد هذه الظاهرة حالات معزولة، بل أصبحت تشمل استدعاءات متكررة، وفترات احتجاز احتياطي مطولة، وإجراءات جنائية تستند إلى نصوص قانونية ذات صياغات فضفاضة وقابلة لتفسيرات واسعة.
وقد أسهم هذا الوضع في خلق أثر ردعي واضح داخل الوسط الإعلامي، إذ باتت الانتقادات المباشرة للمؤسسات التنفيذية، أو لرئاسة الجمهورية، أو للأجهزة الأمنية، تُعد من المواضيع التي تنطوي على مخاطر قانونية.
وخلال عام 2025، لم تظهر مؤشرات ملموسة على تحسن هذا الوضع، بل يبدو أن الممارسات التقييدية تتجه نحو الاستقرار والتحول إلى واقع دائم.
القوانين المنظمة للإعلام (التطورات الأخيرة)
لا يزال المرسوم رقم 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال يشكل الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم المشهد الإعلامي الحالي. وقد قُدِّم هذا المرسوم رسمياً باعتباره أداة لمكافحة التضليل الإعلامي والجرائم الإلكترونية، إلا أنه استُخدم في عدد من القضايا المتعلقة بصحفيين ومعلقين إعلاميين.
وينص الفصل 24 من المرسوم على تجريم نشر «الأخبار الكاذبة» التي يمكن أن تمس بالنظام العام أو الأمن الوطني، مع فرض عقوبات بالسجن وغرامات مالية مرتفعة. ويؤدي غياب تعريف قانوني دقيق لمفهوم «الأخبار الكاذبة» إلى منح السلطات القضائية هامشاً واسعاً في تفسير النص وتطبيقه.
إضافة إلى ذلك:
لا تزال بعض أحكام المتعلقة بالتكلم عن الموظفين العموميين تُستخدم في ملاحقة الصحفيين.
نظرت المحاكم العسكرية في بعض القضايا التي شملت مدنيين متهمين بالإساءة إلى المؤسسة العسكرية.
كما شهدت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (HAICA)، التي أُنشئت بعد عام 2011 لضمان التعددية الإعلامية، تراجعاً فعلياً في دورها، ولا سيما فيما يتعلق بتعيين وإدارة وسائل الإعلام الحكومية.
وعموماً، تميل المنظومة القانونية الحالية إلى ترجيح المقاربة الأمنية في تنظيم قطاع الإعلام، أكثر من تركيزها على حماية حرية التعبير وحرية الصحافة.
التعددية الإعلامية
من الناحية الشكلية، ما تزال تونس تحتفظ بمشهد إعلامي متنوع يضم قنوات تلفزيونية عمومية وخاصة، وإذاعات وطنية واقليمية، ومنصات رقمية، ووسائل إعلام مجتمعية.
غير أن التعددية الفعلية شهدت تراجعاً ملحوظاً.
فقد أصبحت نشرات الأخبار في وسائل الإعلام العمومية تعكس في الغالب الخطاب الرسمي للدولة، بينما تراجعت وتيرة البرامج الحوارية التي تستضيف وجهات نظر متعارضة مقارنة بما كان عليه الوضع خلال العقد الذي أعقب الثورة.
ويمكن تمييز ثلاثة توجهات رئيسية داخل المشهد الإعلامي الحالي:
وسائل إعلام تعتمد خطاً تحريرياً حذراً وتتجنب تناول القضايا الحساسة.
وسائل إعلام تتبنى خطاباً متوافقاً مع الموقف الرسمي.
عدد محدود من المنصات الرقمية المستقلة التي ما تزال تحافظ على نهج نقدي، ويقتصر نشاطها في الغالب على الفضاء الإلكتروني.
وعليه، فإن التعددية الإعلامية لا تزال قائمة من حيث المبدأ، لكنها أصبحت أكثر هشاشة نتيجة الضغوط القضائية والاقتصادية المتزايدة.
الرقابة والرقابة الذاتية
تُعدّ الرقابة المباشرة (مثل الحظر الرسمي للنشر) أقل وضوحًا من الرقابة الذاتية. وتتمثل الآلية السائدة في الردع من خلال التهديد بالملاحقة الجنائية.
ومن الأمثلة ملحوظة على ذلك :
التردد في نشر تحقيقات تتعلق بالمؤسسات الأمنية.
المراجعة القانونية المنهجية للمقالات التي تتناول رئاسة الجمهورية.
تجنب استضافة بعض الشخصيات السياسية في البرامج الحوارية.
ويشير الصحفيون إلى عدة عوامل تغذي هذا المناخ من الخوف، منها:
خطر الملاحقة الجنائية.
منع السفر.
حملات التشهير عبر الإنترنت.
الضغوط الإدارية.
ولا يُعلن عن الرقابة الذاتية بشكل رسمي، لكنها تتجلى بوضوح في الخيارات التحريرية اليومية.
خلال عامي 2025–2026، أصبحت البطاقات الصحفية تمثل وسيلة ضغط غير مباشرة لكنها مؤثرة على العاملين في القطاع الإعلامي. فقد شهدت عملية إصدار البطاقة الصحفية، التي تشرف عليها اللجنة الوطنية لبطاقات الصحافة التابعة للحكومة، حالات من التأخير والتعليق وعدم التجديد، مست بعض الصحفيين الذين يُنظر إليهم على أنهم أصحاب مواقف نقدية.
ويترتب على غياب البطاقة أو انتهاء صلاحيتها آثار عملية، من بينها:
تقييد الوصول إلى المؤتمرات الصحفية الرسمية.
صعوبة تغطية الفعاليات العامة.
مواجهة عراقيل أثناء عمليات التفتيش الأمنية.
زيادة التعرض للملاحقات بتهمة «ممارسة المهنة بصورة غير قانونية».
وقد نددت عدة منظمات مهنية، من بينها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، بما اعتبرته استخدامًا إداريًا قد يكون تمييزيًا لنظام بطاقات الصحافة، معتبرة أن إدارة هذه البطاقات ينبغي أن تُسند إلى هيئة مستقلة، بما يضمن عدم توظيفها لأغراض سياسية.
وفي هذا السياق، أصبح تأخير إصدار البطاقات أو تعطيلها يشكل وسيلة غير رسمية لتنظيم الوصول إلى الميدان، ويساهم في تعزيز مناخ الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.
خلال عامي 2025–2026، واجهت وسائل الإعلام المستقلة والجمعيات الإعلامية الرقمية أشكالًا مختلفة من الضغوط الإدارية والقيود.
حل الجمعيات مؤقتًا وأبلغت منصات استقصائية معروفة، مثل نواة (Nawaat) وإنكيفاضة (Inkyfada)، عن صعوبات متكررة تتعلق بالحصول على المعلومات العمومية، والاعتماد لتغطية الفعاليات الرسمية، وتأمين مصادر التمويل.
ورغم أن حالات الحجب التقني الكامل للمواقع لم تكن دائمة، فإن اضطرابات الوصول، والضغوط القانونية، وحملات التشكيك في المصداقية، ساهمت جميعها في إضعاف عمل هذه المنصات.
وبحكم اعتمادها جزئيًا على التمويل الدولي، تُتهم هذه المؤسسات أحيانًا علنًا بخدمة «أجندات أجنبية»، وهو ما يعزز مناخ الشك ويزيد من تعرضها للرقابة الإدارية والضريبية.
ورغم أن هذه الضغوط أقل وضوحًا من الرقابة الرسمية، فإنها تؤدي عمليًا إلى تضييق مساحة الإعلام النقدي من خلال التأثير على الاستدامة التشغيلية والمالية لهذه المؤسسات.
أثارت قرارات الحل أو إغلاق المؤقت لبعض الجمعيات خلال عام 2025 مخاوف متجددة بشأن تقلص دور المؤسسات المدنية في تونس.
فقد أصدرت السلطات قرارات بتعليق أو حل بعض الجمعيات لمدة شهر، معللة ذلك بعدم احترام بعض الإجراءات الإدارية أو المالية.
غير أن عدداً من منظمات المجتمع المدني اعتبر أن هذه الإجراءات تأتي في سياق أوسع يتمثل في تشديد الرقابة على المنظمات المستقلة، ولا سيما العاملة في مجالات حقوق الإنسان، والحوكمة، والصحافة.
ولا يزال المرسوم رقم 88 لسنة 2011 المنظم للجمعيات سارياً، إلا أن تفسيره أصبح أكثر تشددًا.
ويترتب على الحل المؤقت للجمعية:
تجميد أنشطتها.
تعليق مصادر تمويلها.
وقف المشاريع الجارية.
إحداث أثر ردعي لدى الشركاء.
وبالنسبة الجمعيات العاملة في قطاع الإعلام والمنظمات الداعمة للصحافة، فإن هذا الوضع القانوني غير المستقر يضعف التخطيط متوسط الأجل ويزيد من الاعتماد على بيئة تنظيمية متقلبة.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
ينتشر التضليل الإعلامي بصورة واسعة في تونس، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الهجرة والاقتصاد والسياسة، وتُعد شبكات التواصل الاجتماعي الوسيلة الرئيسية لانتشاره.
غير أن مكافحة التضليل تُدرج في كثير من الأحيان ضمن مقاربة أمنية، مما يخلق خطر الخلط بين العمل الصحفي النقدي و«الأخبار الزائفة».
وتوجد مبادرات للتحقق من المعلومات داخل بعض المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، إلا أنها تفتقر إلى التمويل المستدام والدعم المؤسسي، كما لا توجد حتى عام 2025 استراتيجية وطنية منسقة وواضحة لمواجهة التضليل الإعلامي.
1. التضليل بشأن المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء (2023–2025)
في أعقاب تصريحات الرئيس قيس سعيّد في فبراير/شباط 2023، التي تحدث فيها عن «مؤامرة تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية»، شهدت شبكات التواصل الاجتماعي انتشارًا واسعًا لمحتويات غير موثقة تزعم:
أن آلاف المهاجرين يحصلون على مساكن مجانية تمولها الدولة.
أنهم يتلقون مساعدات مالية تفوق تلك المقدمة للمواطنين التونسيين.
أن بعض المنظمات غير الحكومية توزع بطاقات إقامة بصورة تلقائية.
ولم تؤكد أي بيانات رسمية صحة هذه الادعاءات، إلا أنها انتشرت على نطاق واسع عبر فيسبوك وتيك توك، وأسهمت في تأجيج التوترات وأعمال العنف ضد المهاجرين، خصوصًا في مدينة صفاقس.
2. الشائعات الاقتصادية المرتبطة بصندوق النقد الدولي
خلال المفاوضات بين تونس وصندوق النقد الدولي، انتشرت منشورات واسعة الانتشار ادعت:
الإلغاء الفوري لدعم الخبز والمحروقات.
الخصخصة السرية للمؤسسات العمومية الاستراتيجية.
فرض ضريبة استثنائية على الحسابات البنكية.
وقد استندت بعض هذه الادعاءات إلى سيناريوهات افتراضية أو تفسيرات جزئية لمناقشات تقنية، لكنها قُدمت للرأي العام على أنها قرارات نهائية، مما غذى حالة من الذعر المالي وفقدان الثقة في المؤسسات.
3. نظريات المؤامرة السياسية
شهد المجال السياسي حملات منسقة استهدفت معارضين وقضاة من خلال نشر:
وثائق مزيفة قُدمت باعتبارها أدلة على تمويل أجنبي.
تسجيلات صوتية أُخرجت من سياقها.
مقاطع فيديو معدلة غيّرت مضمون تصريحات علنية.
وتنتشر هذه المواد أساسًا عبر فيسبوك، الذي لا يزال المنصة الأكثر استخدامًا في تونس، إضافة إلى مجموعات واتساب المغلقة، ويزيد من انتشارها نشاط الصفحات المجهولة والحسابات ذات الجماهير الكبيرة غير التابعة لمؤسسات إعلامية.
4. التلاعب بالصور
استُخدمت صور مأخوذة من احتجاجات في أمريكا اللاتينية أو أوروبا على أنها مشاهد حديثة من تونس، بهدف المبالغة في حجم الاحتجاجات أو الاضطرابات.وغالبًا ما يُعاد تداول هذه الصور آلاف المرات قبل التحقق منها، مما يزيد من صعوبة عمل غرف الأخبار.
5. الخلط بين التضليل الإعلامي والصحافة النقدية
من الظواهر المثيرة للقلق قيام بعض الجهات الرسمية باعتبار التقارير الصحفية النقدية شكلاً من أشكال «الأخبار الزائفة».
فقد وُصفت تحقيقات صحفية تتناول قضايا الفساد أو إدارة الاقتصاد بأنها حملات تضليل، وهو ما يطمس الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتلاعب بالمعلومات.
العوامل البنيوية التي تعزز انتشار التضليل
ضعف ثقافة التحقق من المصادر لدى جزء من الجمهور.
تراجع الثقة في وسائل الإعلام التقليدية.
الاستقطاب السياسي.
غياب استراتيجية وطنية متماسكة لمكافحة التضليل الإعلامي.
الاعتماد المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المصدر الأول للأخبار.
الحق في الوصول إلى المعلومات
تتمتع تونس بإطار قانوني متقدم نسبيًا فيما يتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومات، وذلك بموجب القانون الصادر سنة 2016، والذي لا يزال ساري المفعول.
إلا أن التطبيق العملي يواجه تحديات عديدة، أبرزها:
تجاوز المدة القانونية للرد على الطلبات.
استناد بعض الإدارات إلى اعتبارات أمنية لرفض توفير المعلومات.
ندرة المؤتمرات الصحفية الحكومية.
مواجهة الصحفيين ذوي الخطاب النقدي لصعوبات متزايدة في الوصول إلى المصادر الرسمية.
وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين النص القانوني والممارسة الفعلية.
وخلال عامي 2025–2026، أصبحت طلبات الحصول على المعلومات الرسمية تُترك في كثير من الأحيان دون رد، أو يُرد عليها بعد فترات طويلة وبشكل جزئي، خاصة عندما تتعلق ببيانات مالية أو أمنية أو بمفاوضات دولية.
كما تلجأ بعض الإدارات إلى تفسير واسع لمفهوم «سرية الأمن القومي» لرفض الكشف عن الوثائق دون تقديم مبررات مفصلة.
ويضاف إلى ذلك تراجع عدد المؤتمرات الصحفية الحكومية، وغياب متحدثين رسميين واضحين في عدد من الوزارات، ومركزة الاتصال الحكومي، الأمر الذي يقلص فرص الوصول المباشر إلى المعلومات.
كما أفاد صحفيون بتعرضهم لاستبعاد غير رسمي من بعض الفعاليات الرسمية أو لمشكلات في الحصول على الاعتماد الصحفي.
وبذلك أصبحت ممارسة الحق في الوصول إلى المعلومات أكثر تعقيدًا، وأطول زمنًا، وأشد ردعًا مما ينص عليه القانون.
سلامة الصحفيين
تتمثل التهديدات الرئيسية التي تواجه الصحفيين في تونس في المخاطر القضائية والإدارية أكثر من المخاطر الجسدية، رغم تسجيل بعض حالات الاعتداء أثناء تغطية المظاهرات.
المخاطر الرئيسية
الملاحقات الجنائية.
الاحتجاز الاحتياطي.
المضايقات القضائية.
الضغوط الاقتصادية.
المراقبة الرقمية المفترضة.
ويتسم المناخ المهني بحالة من عدم اليقين القانوني، وهو ما يؤثر سلبًا في شعور الصحفيين بالأمن أثناء ممارسة عملهم.
وعلى الرغم من وجود إطار قانوني متقدم نسبيًا يضمن الحق في النفاذ إلى المعلومات العامة (قانون 2016)، فإن الصحفيين في تونس واجهوا خلال عامي 2025–2026 عراقيل متزايدة حالت دون التطبيق الفعلي لهذا الحق. فكثيرًا ما تُترك الطلبات الرسمية دون رد، أو يُرد عليها بعد تأخير وبشكل جزئي، ولا سيما عندما تتعلق ببيانات مالية أو أمنية أو بمفاوضات دولية.
كما تلجأ بعض الإدارات إلى التوسع في تفسير مفهوم «سرية الأمن القومي» لرفض تسليم الوثائق دون تقديم مبررات مفصلة. وإلى جانب ذلك، فإن تراجع عدد المؤتمرات الصحفية الحكومية، وغياب متحدثين رسميين واضحين في عدد من الوزارات، ومركزة الاتصال الحكومي، كلها عوامل تحد من الوصول المباشر إلى مصادر المعلومات.
وأفاد صحفيون معروفون بمواقفهم النقدية أيضًا بتعرضهم لاستبعاد غير رسمي من بعض الفعاليات الرسمية أو بصعوبات في الحصول على الاعتماد الصحفي.
وقد اتسعت بذلك الفجوة بين الإطار القانوني الضامن للحقوق والممارسة الإدارية اليومية، مما جعل الوصول إلى المعلومات عملية طويلة وغير مضمونة، وغالبًا ما يكون لها أثر ردعي على
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تعتمد وسائل الإعلام العمومية أساسًا على التمويل الحكومي.
أما وسائل الإعلام الخاصة، فتعتمد بصورة رئيسية على:
عائدات الإعلانات (التي تشهد تراجعًا في ظل الوضع الاقتصادي الهش).
الشراكات.
التمويل الدولي (بالنسبة لبعض وسائل الإعلام المستقلة).
وتعمل معظم وسائل الإعلام الرقمية المستقلة بميزانيات محدودة، وتعتمد بدرجة كبيرة على المنح أو المشاريع الممولة من جهات دولية.
وتُعد الاستدامة الاقتصادية أحد أبرز التحديات البنيوية التي تواجه القطاع الإعلامي.
وتواجه النماذج الاقتصادية للإعلام التونسي عدة إشكاليات هيكلية، من أبرزها الاعتماد المفرط على سوق الإعلانات، التي تتركز في أيدي عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما قد يؤثر في الاستقلالية التحريرية ويحد من تنوع المحتوى.
كما لا تزال إيرادات الاشتراكات الرقمية ضعيفة، بسبب محدودية ثقافة الدفع مقابل المحتوى الإخباري عبر الإنترنت.
وفي المقابل، تعاني وسائل الإعلام العمومية من نقص التمويل، الذي يتخذ أحيانًا طابعًا سياسيًا، بينما تواجه وسائل الإعلام الخاصة منافسة شديدة وارتفاعًا في تكاليف الإنتاج.
ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة، حيث تدفع الهشاشة المالية بعض المؤسسات الإعلامية إلى تفضيل المحتوى المثير أو المواد المدفوعة على حساب الصحافة الاستقصائية والصحافة المهنية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مصداقية القطاع بأكمله وسائل الإعلام المستقلة: الواقع والتحديات
تُعد عدة منصات رقمية وإذاعات مجتمعية وسائل إعلام مستقلة، وتحظى بتأثير ملحوظ خاصة في الأوساط الحضرية وبين الشباب المهتم بالشأن العام.
ورغم أن حجم جمهورها يبقى أقل من جمهور القنوات الوطنية الكبرى، فإن تأثيرها النوعي في مجالات التحقيقات الصحفية والتحليل النقدي يظل مهمًا.
أبرز التحديات
الضغوط القضائية.
الهشاشة المالية.
محدودية الوصول إلى الإعلانات والمؤسسات الرسمية.
الإرهاق المهني والمخاطر القانونية التي تواجه فرق التحرير.
التربية الإعلامية والمعلوماتية
لا توجد في تونس سياسة عمومية شاملة ومنظمة على نطاق واسع في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية.
ومع ذلك، تنفذ منظمات المجتمع المدني والجامعات وبعض المبادرات المحلية برامج للتوعية بضرورة التحقق من المعلومات وتعزيز التفكير النقدي في التعامل مع المحتوى الرقمي.
ويبقى التحدي الرئيسي متمثلًا في غياب التنسيق الوطني والتمويل المستدام.
وتواجه التربية الإعلامية في تونس عدة تحديات، من أبرزها:
ضعف إدماجها في المناهج الدراسية الرسمية، مما يحد من اكتساب مهارات التفكير النقدي منذ المراحل التعليمية الأولى.
افتقار المعلمين والمدربين إلى موارد تعليمية حديثة وأدوات رقمية مناسبة لمعالجة قضايا التضليل الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي وتحليل المحتوى الإعلامي.
اتساع الفجوة الرقمية وعدم تكافؤ الوصول إلى المعلومات بين المناطق الحضرية والريفية.
محدودية برامج توعية الجمهور، مما يعيق ترسيخ ثقافة مجتمعية قادرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المضلل، والمشاركة الواعية في الحياة الديمقراطية.
النوع الاجتماعي والإعلام
تحضر النساء بقوة داخل غرف الأخبار التونسية، بما في ذلك في مجالات التقديم والإنتاج الإعلامي.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، من أبرزها:
استمرار هيمنة الرجال على المناصب القيادية.
تعرض الصحفيات لأشكال مختلفة من التحرش الإلكتروني.
توظيف قضايا حقوق المرأة أحيانًا في إطار التجاذبات السياسية.
وتختلف طريقة تناول قضايا النوع الاجتماعي باختلاف الخطوط التحريرية للمؤسسات الإعلامية.
ورغم ذلك، أصبحت مشاركة النساء في الإعلام التونسي أكثر وضوحًا، سواء في العمل الصحفي أو في المناصب الإدارية، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالصور النمطية وعدم المساواة المهنية.
وتشغل النساء وظائف متنوعة، تشمل الصحافة، والتحرير، والتقديم، والإنتاج، بما يسهم في إثراء التعددية داخل المشهد الإعلامي، كما تولت عدة نساء إدارة مؤسسات إعلامية مؤثرة في تونس.
تغطية القضايا البيئية
تتناول وسائل الإعلام التونسية القضايا البيئية بصورة أساسية عند وقوع أزمات محلية، مثل:
التلوث الصناعي.
ندرة المياه.
إدارة النفايات.
وتظل التغطية ذات طابع خبري مرتبط بالأحداث أكثر من كونها معالجة هيكلية طويلة الأمد، بينما تبقى التحقيقات المتعمقة حول مسؤوليات الجهات الصناعية أو السياسات البيئية محدودة.
وتسهم بعض وسائل الإعلام المتخصصة والمنصات الرقمية في تطوير صحافة بيئية أكثر استمرارية، إلا أنها تعمل بإمكانات محدودة.
ولا يزال قطاع الإعلام البيئي في تونس في مرحلة النشوء، ويحتل موقعًا هامشيًا نسبيًا داخل المشهد الإعلامي الوطني، حيث يقتصر تناول القضايا البيئية في وسائل الإعلام التقليدية غالبًا على التغطية الظرفية.
وفي المقابل، بدأت مبادرات متخصصة في اكتساب أهمية متزايدة، مثل منصة Cosmos Media، المتخصصة في الصحافة البيئية والتنمية المستدامة، والتي تنتج مقالات وتحقيقات وبودكاست ومشاريع متعددة الوسائط حول تغير المناخ، والتنوع البيولوجي، والسياسات العامة، والحلول البيئية.
كما تساهم منصات رقمية أخرى مثل Blue TN في رفع مستوى الوعي البيئي لدى الجمهور التونسي، رغم محدودية مواردها وجمهورها مقارنة بوسائل الإعلام العامة الكبرى.
ورغم هذه التحديات، تؤدي هذه المبادرات دورًا مهمًا في تعزيز حضور القضايا البيئية، وتدريب الصحفيين على تقنيات الصحافة البيئية، وتشجيع نقاش عام أكثر اطلاعًا حول الانتقال البيئي في تونس.
تغطية قضايا الهجرة
تُعد الهجرة من أكثر القضايا تسييسًا في تونس، ولا سيما في سياق العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي.
ويواجه الصحفيون عدة صعوبات، منها:
صعوبة الوصول إلى مراكز الاحتجاز.
نقص البيانات الرسمية الشفافة.
أجواء التوتر الاجتماعي المرتبطة بالمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء.
خطر التعرض لاتهامات بالإضرار بصورة البلاد.
وتتراوح التغطية الإعلامية بين المقاربة الإنسانية والمقاربة الأمنية والتحليل السياسي. حيث تعكس التغطية الإعلامية للهجرة في تونس الأبعاد الإنسانية والسياسية والأمنية للملف، إذ تخصص وسائل الإعلام العمومية والخاصة اهتمامًا كبيرًا للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وحوادث الغرق في البحر الأبيض المتوسط، وأوضاع المهاجرين داخل الأراضي التونسية.
وتجمع هذه التغطية بين التقارير الميدانية، والمقابلات مع الأسر والخبراء، والتحليلات السياسية التي تتناول التعاون مع الاتحاد الأوروبي، وحقوق المهاجرين، وإشكاليات الاندماج المحلي.
غير أن بعض المراقبين يرون أن هذه التغطية تميل أحيانًا إلى الإثارة أو التركيز على البعد الأمني، على حساب الروايات الإنسانية والأسباب العميقة للهجرة.
تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي
لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام التونسية محدودًا وغير مؤسسي.
وتستخدم بعض غرف الأخبار أدوات مثل:
برامج التفريغ الآلي للنصوص.
أدوات المساعدة في الترجمة.
تطبيقات إنتاج الصور والمواد البصرية.
ولا توجد حتى الآن استراتيجية قطاعية واضحة لتنظيم الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام.
وفي هذا السياق، أصدر المجلس الوطني للصحافة في تونس، بالتعاون مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، يوم 16 فبراير/شباط 2026 ميثاقًا وطنيًا ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
ولا يقتصر هذا الميثاق على تقديم توصيات عامة، بل يضع مبادئ أخلاقية ومهنية تهدف إلى توجيه دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسات التحريرية، مع الحفاظ على نزاهة المعلومات وموثوقيتها وتنوعها.
ويؤكد الميثاق على:
ضرورة الشفافية والإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى.
التحقق المنهجي من النتائج التي تنتجها هذه الأدوات.
حماية البيانات الحساسة.
اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديلًا عن الحكم المهني والمسؤولية التحريرية للصحفيين.
ضرورة اليقظة تجاه التحيزات الخوارزمية وخطر توحيد المحتوى الإعلامي.
وتُعد هذه المبادرة إطارًا مرجعيًا مهمًا للمؤسسات الإعلامية التونسية، وتعكس تنامي الوعي المؤسسي بالتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على القطاع الإعلامي، كما تهدف إلى بناء علاقة ثقة متجددة بين وسائل الإعلام والجمهور في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
15. المراجع
التقارير السنوية لمنظمة مراسلون بلا حدود (2024–2025).
تقرير الحرية في العالم 2025 الصادر عن فريدوم هاوس (Freedom House).
مؤشر مدركات الفساد 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية (Transparency International).
البيانات والتصريحات الأخيرة الصادرة عن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين (SNJT).
مقالات وتقارير إخبارية دولية حول الملاحقات القضائية المنفذة بموجب المرسوم عدد 54.
تقارير ووثائق متعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة والإعلام
PAMT2 – الصحافة والذكاء الاصطناعي: «تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي في تونس»: دراسة وموارد حول التقاطعات بين الصحافة والذكاء الاصطناعي وأخلاقيات المهنة (PAMT2.org).
AI Forward Summit 2025: معلومات وتحليلات حول استراتيجيات الدمج الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وتونس.
دراسة حول ثقة الجمهور في وسائل الإعلام في تونس، أعدها المجلس الوطني للصحافة، وتُعد مرجعًا لفهم الدور المؤسسي للمجلس.
تقرير اليونسكو حول الإبداع والثقافة، الذي يضع التحولات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، ضمن إطار شامل للسياسات الثقافية.
📊 تقارير المنظمات الدولية والتحليلات الخارجية
تقرير منظمة العفو الدولية (Amnesty International) لعام 2025 بشأن انتهاكات حقوق المهاجرين واللاجئين، والذي استندت إليه عدة وسائل إعلام دولية لتوفير سياق حول كيفية تناول هذه القضايا في الإعلام والتقارير الحقوقية.
تحليلات هيومن رايتس ووتش بشأن التضييق على المنظمات غير الحكومية والصحفيين الذين يغطون قضايا الهجرة، والتي كثيرًا ما تُستشهد بها أو تُناقش في وسائل الإعلام الدولية.
دراسات حول الخطابات التمييزية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أعادت بعض وسائل الإعلام نشرها، وتوضح آثار التضليل الإعلامي المرتبط بقضايا الهجرة.
📊 تحليلات اقتصادية لقطاع الإعلام التونسي
«نحو نموذج اقتصادي جديد لوسائل الإعلام في العصر الرقمي»: مذكرة تحليلية تستعرض التحديات البنيوية للنموذج الاقتصادي للإعلام التونسي، ولا سيما تراجع الإعلانات التقليدية وضرورة الابتكار لضمان استدامة المؤسسات الإعلامية في البيئة الرقمية.
تقرير «تونس 2022» الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود ، الذي يحلل السياق الاقتصادي لوسائل الإعلام، وخاصة الاعتماد على العائدات الإعلانية، وهشاشة مبيعات الصحافة المكتوبة، واشتداد المنافسة على الجمهور.
The Media Market – Media Ownership Monitor (Tunisia)، وهو تقرير يحلل البنية الاقتصادية لسوق الإعلام التونسي، ويبرز الاعتماد الكبير على الإعلانات والصعوبات المرتبطة بتأمين مصادر تمويل مستدامة.
📍 مراجع عامة وسياق تحليلي
Back to basics : L’économie des médias : مقال يشرح المبادئ الأساسية لاقتصاد الإعلام، وكيف أحدث الإنترنت والمنصات الرقمية تحولًا في النماذج الاقتصادية التقليدية للمؤسسات الإعلامية.
دراسة اليونسكو حول تطوير وسائل الإعلام في تونس: دراسة شاملة تتضمن تحليلًا للإطار الاقتصادي لوسائل الإعلام باعتباره أحد مكونات تطوير القطاع الإعلامي في البلاد.
IPSI : Acteurs clés et enjeux majeurs de l’économie des médias : مقال يستعرض النقاشات الأكاديمية والمهنية المتعلقة بالتحديات والآفاق الاقتصادية لقطاع الإعلام في تونس.
ليبيا
حرية التعبير
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
التعددية
الرقابة والرقابة الذاتية
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
الحق في الحصول على المعلومات
منظمة مراسلون بلا حدود – مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام ٢٠٢٥: ١٣٧ /١٨٠ (أيار /مايو ٢٠٢٥)
منظمة فريدوم هاوس – الحرية في العالم ٢٠٢٥: ١٠/ ١٠٠ – (آذار/ مارس ٢٠٢٥)
منظمة الشفافية الدولية – مؤشر مدركات الفساد (CPI) ٢٠٢٤: ١٣/١٠٠ والترتيب ١٧٣/١٨٠ (شباط/فيراير ٢٠٢٥)
تعكس هذه التصنيفات مجتمعة بيئة إعلامية تتصف بالهشاشة الهيكلية، وضعف الضمانات المؤسسية، وارتفاع مستويات الفساد والتدخل السياسي.
حرية التعبير
لا تزال حرية التعبير في ليبيا مقيدة بشدة، حيث يواجه الصحفيون الترهيب والضغط المستمر من سلطات الدولة والجهات المسلحة، فضلاً عن انتشار الرقابة الذاتية على نطاق واسع. وكما تشير الصحفية انتصار البرعصي، لم يحدث أي توسع ملموس في نطاق الحرية في السنوات الأخيرة؛ بل على العكس، تراجع التعبير العام بشكل متزايد بسبب الخوف والشعور بعدم الجدوى. وترى أن الضغوط المستمرة منذ عام ٢٠١٤ قد أعادت تشكيل وسائل الإعلام لتصبح أدوات سياسية تخدم الجهات المهيمنة.
وبالمثل، يلاحظ رضا فحيل البوم، رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل (LOFIM)، أنه لم يحدث أي تحسن ملموس مقارنة بالعام السابق. ويبرز استمرار احتجاز الصحفي صالحين الزروالي ومحاكمته عسكرياً في بنغازي بموجب تعديلات على الإجراءات العسكرية وقوانين مكافحة الإرهاب التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، مع شفافية محدودة تحيط بالإجراءات. وعلى الرغم من عدم الإبلاغ عن أي اعتقالات جديدة، إلا أن القيود لا تزال قائمة، وزادت حالات التشهير وخطاب الكراهية على التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. على الرغم من الانتهاكات الموثقة من قبل الهيئة العامة لمراقبة المحتوى الإعلامي، لا يزال التنفيذ بطيئاً، مما يعزز نقاط الضعف الهيكلية مثل الحوكمة المجزأة، وتأثير الميليشيات، واستقلالية القضاء المحدودة التي لا تزال تقوض حرية التعبير الحقيقية. على الرغم من هذا، الا ان تقدم محدود قد لوحظ، ينعكس في تحسن طفيف في ترتيب ليبيا في مؤشر الحريات لمنظمة مراسلون بلا حدود والمناقشات الجارية حول الإصلاح القانوني —إلا أن التحديات الهيكلية لا زالت قائمة.
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
لم تصدر أي قوانين إعلامية جديدة في عام ٢٠٢٥. ولا يزال العمل الصحفي في ليبيا يخضع في المقام الأول لقانون المطبوعات (القانون رقم ٧٦ لعام ١٩٧٢)، وهو تشريع تم سنه قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة ولا يعالج تعقيدات الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام الرقمية أو المنصات الاجتماعية، مما يترك الصحفيين دون حماية قانونية أو وضوح بشأن القضايا الأساسية مثل الاعتماد وتصاريح العمل والحقوق التشغيلية.
التعددية
يبدو المشهد الإعلامي الليبي متعددًا في ظاهره، لا سيما في مجال التلفزيون، حيث يتم تمثيل تيارات سياسية متعددة. ومع ذلك، فإن هذه التعددية تعكس انقسامًا سياسيًا أكثر مما تعكس استقلالية حقيقية. فمعظم القنوات إما ممولة من الحكومة أو متحالفة مع أطراف سياسية وعسكرية مهيمنة، مما يؤدي إلى تشكيل روايات حزبية تعزز الاستقطاب. وكما يشير البرعصي، تدعي العديد من وسائل الإعلام استقلاليتها بينما تظل مرتبطة هيكليًا بمراكز السلطة، مما يؤدي إلى تغطية متحيزة ومعايير مهنية ضعيفة.
هذا التشرذم جغرافي أيضاً. يلاحظ فحيل البوم أن وسائل الإعلام الغربية والشرقية تنتقد سلطات بعضها البعض علناً، حيث توفر طرابلس هامشاً أوسع نسبياً للتعبير مقارنة بالشرق أو الجنوب. ومع ذلك، لا يشير هذا الاختلاف إلى حرية جوهرية؛ بل يعكس مجالاً إعلامياً منقسماً تعمل فيه وسائل الإعلام كأدوات لهياكل سلطة متنافسة.
تواصل محطات الإذاعة البلدية المحلية تغطية الشواغل اليومية للمواطنين على الرغم من انحيازها للسلطات المهيمنة في مناطقها، في حين تخلت الإذاعات التجارية الخاصة إلى حد كبير عن التغطية السياسية لصالح الترفيه لحماية عائدات الإعلانات. لا تزال وسائل الإعلام المستقلة نادرة، وقد اختفت الصحافة المطبوعة تقريبًا. كانت الطبيعة المستقطبة لهذا البيئة واضحة في تغطية مقتل سيف الإسلام القذافي، حيث صورت وسائل الإعلام الحدث وفقًا للخطوط الفئوية، ولم تظهر سوى قناة «الوسط» التلفزيونية معايير مهنية أعلى نسبياً. ويعكس النظام الإعلامي الليبي سمات التعددية المستقطبة في سياق دولة ممزقة.
الرقابة والرقابة الذاتية
بالاستناد إلى تأكيد الكاتب والصحفي سعد العشة بأن «الرقابة الذاتية تكمن في عواقبها… في تجنب خوض معركة خاسرة مع المجتمع»، يمكن فهم حرية التعبير في ليبيا على أنها مقيدة بالتفاعل بين الضغط الاجتماعي وممارسات الدولة. يجادل العشة بأنه، على عكس الدول التي تحمي حرية التعبير بنشاط ضد الأعراف المجتمعية، تميل الدولة الليبية إلى التوافق مع الرأي العام السائد تحت عنوان” الأخلاق العامة“، مما يعزز الرقابة الذاتية. تتجلى هذه الديناميكية بشكل خاص فيما يتعلق بالقضايا الحساسة اجتماعياً، والتي تجنبت الحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام القذافي إلى حد كبير تناولها. تعمل هذه السلطات في المقام الأول كحكومات مؤقتة تفتقر إلى مشاريع متماسكة طويلة الأمد، وتمنح الأولوية للأهداف السياسية قصيرة الأجل على حساب المصلحة العامة أو التغيير الاجتماعي الإيجابي المستدام.
على النقيض من ذلك، تخضع القضايا السياسية لقمع مباشر وشديد. ويواجه الصحفيون والمنتقدون الذين يحاولون فضح الفساد أو التعبير عن معارضتهم لأي من الحكومتين المتنافستين الاعتقال والتعذيب، والسجن، والاختفاء القسري، والتشهير. ويُعد احتجاز وتعذيب الصحفي الاقتصادي أحمد السنوسي، عقب نشره لوثائق تزعم وجود فساد داخل وزارة الاقتصاد التابعة للحكومة المتمركزة في طرابلس، مثالاً على هذا النمط، وفقاً لما أوردته كل من منظمة هيومن رايتس ووتش وصحيفة «القدس العربي». وفي شرق ليبيا، كان القمع أكثر انتشاراً، حيث لم تقتصر حالات الاختفاء القسري على الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام فحسب، بل شملت أيضاً أعضاء البرلمان، وفقاً لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
لا تزال وسائل الإعلام الليبية تتأثر بشدة بالتضليل الإعلامي والمعلومات المضللة، لا سيما في القضايا السياسية الحساسة والبارزة. وكما يشير فحيل البوم، فإنه على الرغم من تنظيم العديد من ورش العمل التدريبية للصحفيين وإنشاء «الهيئة العامة لمراقبة المحتوى الإعلامي» لمكافحة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، لا تزال العديد من وسائل الإعلام تعتمد على معلومات غير مؤكدة يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ساهمت هذه الممارسة في انتشار التقارير الكاذبة أو المضللة على نطاق واسع، لا سيما في الحوادث السياسية والأمنية الكبرى، مثل ما نُقل عن مقتل رئيس الأركان عمر الحداد وقضية المدونة خنساء المجاهد، حيث نقلت وسائل الإعلام المحلية وحتى الإقليمية ادعاءات غير مؤكدة من مصادر مجهولة أو ذات دوافع سياسية. ووفقاً لرضا فحيل البوم، فإن مثل هذه التقارير لم تضلل الرأي العام فحسب، بل أدت أيضاً إلى تعقيد عمليات التحقيق وسمحت لوسائل الإعلام الممولة سياسياً باستغلال الروايات الكاذبة في إرسال رسائل استراتيجية.
وبالمثل، تلاحظ البرعصي ظهور مبادرات للتحقق من الحقائق ومكافحة التضليل خلال السنوات الخمس الماضية، غالبًا بتمويل من جهات مانحة دولية. ساهمت هذه المشاريع في توعية الجمهور بشأن التلاعب والأخبار المزيفة والخداع الرقمي، وأدت إلى إنشاء عدة منصات للتحقق من الحقائق. ومع ذلك، كانت معظم المبادرات قصيرة الأجل وتفتقر إلى الاستدامة المالية، مما حد من تأثيرها الهيكلي على المدى الطويل.
تشير التقارير الصادرة مؤخرًا عن المنظمات الدولية لعام ٢٠٢٥ إلى أن المعلومات المضللة في ليبيا لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاستقطاب السياسي، وضعف المعايير التحريرية، وغياب آليات مؤسسية قوية للتحقق من صحة المعلومات. وغالبًا ما تمنح وسائل الإعلام الأولوية للسرعة والانتماء السياسي على حساب التحقق من صحة المعلومات، في حين تُعد البيئات الرقمية — ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي — مصادر المعلومات الأساسية للصحفيين، مما يؤدي إلى تضخيم الروايات غير المؤكدة. على الرغم من أن هيئات الرقابة ومنظمات المجتمع المدني قد وثقت الانتهاكات وأصدرت تحذيرات، إلا أن إنفاذ القانون لا يزال بطيئاً ومجزأً، ولم يتم إضفاء الطابع المؤسسي على أي استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التضليل.
الحق في الحصول على المعلومات
لا يوجد حالياً أي قانون يضمن الحق في الوصول إلى المعلومات في ليبيا، على عكس دول أخرى في المنطقة مثل تونس. يرى صحافيون أن المؤسسات الحكومية التي تشكلت مؤخراً لم تنجح في إجراء إصلاحات ملموسة لتسهيل الوصول إلى المعلومات أو سن تشريعات تحمي الصحافة وتعزز استقلالية وسائل الإعلام. وتشير كذلك إلى غياب التدابير التنظيمية التي تتناول قيود النشر وإجراءات الاعتماد أو الوضع القانوني للصحفيين المستقلين.
وتردد الليبية للإعلام المستقل هذه المخاوف، مؤكدة أن الوصول الفعلي إلى المعلومات لا يزال غائباً إلى حد كبير في الممارسة العملية، على الرغم من صدور تعميم حكومي عن حكومة الوحدة الوطنية لتعزيز الشفافية في نشر البيانات الرسمية. وفي الواقع، تواصل معظم المؤسسات العامة حجب المعلومات عن الصحفيين ووسائل الإعلام. ولم يُظهر سوى عدد محدود من الهيئات — مثل هيئة مكافحة الفساد ووكالة التحقيق في الجرائم المالية — انفتاحاً نسبياً وتعاون مع منظمات المجتمع المدني من خلال توفير البيانات اللازمة للتحقيقات الصحفية.
إن الانقسام السياسي المستمر وعدم اليقين المؤسسي قد زادا من ضعف الصحفيين، مما جعلهم موضع شك من قبل السلطات في كل من شرق ليبيا وغربها. وفي هذا السياق، تتسم الممارسة الصحفية بالحذر ومن حالة انعدام الأمن، في حين أن غياب نقابة صحفية موحدة يضعف الحماية المهنية الجماعية بشكل أكبر.
أمن الصحفيين
لا يزال الصحفيون في ليبيا يواجهون تهديدات أمنية خطيرة، بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز التعسفيان، والمضايقات القضائية، والتهديدات والترهيب، والاعتداء الجسدي، ومصادرة المعدات من قبل الجهات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. ولا تزال حالات الاختفاء القسري تشكل مصدر قلق كبير، لا سيما في شرق ليبيا، إلى جانب الإفلات من العقاب على نطاق واسع في حالة الانتهاكات المرتكبة ضد العاملين في مجال الإعلام. وتتفاقم هذه المخاطر بسبب الانقسام السياسي، ووجود الجماعات المسلحة، والأطر القانونية التقييدية التي تمكّن السلطات من قمع التغطية الصحفية الناقدة. وقد وثقت منظمات الرصد الدولية هذه الانتهاكات باستمرار، مشيرة إلى أن غياب المساءلة والحماية القانونية الفعالة قد خلق مناخاً من الخوف يقوض بشدة الصحافة المستقلة وحرية التعبير (مراسلون بلا حدود، ٢٠٢٤؛ هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٥؛ المادة ١٩، ٢٠٢٤)
آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
في ليبيا، تختلف نماذج الاقتصادية الخاصة بوسائل الإعلام السائدة والمستقلة اختلافاً كبيراً، وتؤثر عليها بشدة الانقسامات السياسية وانعدام الأمن وضعف هياكل السوق. وعادةً ما تعمل القنوات التلفزيونية السائدة ووسائل الإعلام الكبرى من خلال ترتيبات تمويل غير شفافة مرتبطة بالفاعلين السياسيين أو الجماعات المسلحة أو النخب التجارية التابعة لها. وتستمد إيراداتها إلى حد كبير من الإعلانات ذات التوجهات السياسية، أو شبكات المحسوبية ،أو الدعم الحكومي المباشر، أو الدعم الحكومي المباشر، بدلاً من الدخل المستمد من الجمهور أو المدفوع بقوى السوق. ونتيجة لذلك، تعطي هذه الوسائل الأولوية للتأثير السياسي والسيطرة على السرد على حساب الاستدامة التجارية، مما يحد بشدة من الاستقلالية التحريرية.
على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام المستقلة — التي يعمل الكثير منها رقمياً أو من الشتات — إلى حد كبير خارج الأطر التجارية التقليدية. فهي تعتمد في المقام الأول على تمويل المانحين، والمنح من المنظمات الدولية، والدعم القائم على المشاريع، والإعلانات الرقمية المحدودة. وفي حين أن هيكل التمويل هذا يوفر استقلالية تحريرية أكبر، فإنه يجعل هذه الوسائل هشة مالياً وعرضة بشدة للتعطيل أو الإغلاق. وتعمل المنظمات الإعلامية التابعة للمجتمع المدني، مثل المنظمة الليبية للإعلام المستقل، عمومًا ككيانات غير ربحية تركز على الدعوة والتدريب وحماية حرية الصحافة بدلاً من تحقيق الأرباح.
وتتسم منصات الأخبار الإلكترونية وتلك التي يديرها المغتربون، مثل «ليبيا هيرلد» و« ليبيا المحلية»، بأنماط تمويل مماثلة، حيث تعتمد على دعم المانحين والشراكات مع المجتمع المدني والتعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية من أجل استمرار عملياتها. وتؤكد منظمات الرصد الدولية باستمرار أن غياب سوق إعلاني مستقر، مقترناً بعدم اليقين القانوني والمخاطر الأمنية المستمرة، لا يزال يعوق تطوير نماذج اقتصادية إعلامية مستدامة ومستقلة في ليبيا.
التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
تُنفذ الجهود الرامية إلى تعزيز الثقافة الإعلامية في ليبيا بشكل أساسي من خلال مشاريع تمولها منظمات دولية، والتي، على الرغم من إنتاجها مواد مفيدة ومبادرات تدريبية، واجهت صعوبات في تحقيق تقدم مستدام. وغالبًا ما تكرر هذه البرامج أنشطة متشابهة عامًا بعد عام، كما واجهت عقبات مثل التعاون المحدود من جانب المؤسسات الحكومية، مما أضعف قدرتها على إشراك المؤسسات التعليمية الوطنية وتوسيع نطاق المجتمع المدني بفعالية. وعلى مستوى أكثر احترافية، قامت منظمات المجتمع المدني الليبية، مثل المنظمة الليبية للإعلام المستقل والمركز الليبي لحرية الصحافة، بمبادرات للرصد وبناء القدرات تهدف إلى تحسين جودة العمل الصحفي وتعزيز المعايير الأخلاقية في الممارسة الإعلامية. على سبيل المثال، قامت هذه المجموعات بتوثيق الانتهاكات المهنية، ودعت إلى الحوار حول وضع مدونة أخلاقيات إعلامية، ورفعت الوعي بمبادئ التغطية الأخلاقية، كجزء من حملات أوسع لإصلاح وسائل الإعلام (المادة ١٩، ٢٠٢٥). ومع ذلك، تعثرت هذه الجهود في كثير من الأحيان بسبب نقص التمويل المستدام أو الضغوط السياسية والأمنية المتزايدة التي تقيد نشاط المجتمع المدني. ويزيد غياب إطار قوي للتثقيف الإعلامي من التحديات التي يواجهها الصحفيون والمواطنون الذين يسعون إلى التعامل مع بيئة تتسم بضعف حرية الصحافة، والقيود القانونية الراسخة، والتهديدات المستمرة لحرية التعبير في ليبيا.
النوع الاجتماعي والإعلام
تعمل الصحفيات في ليبيا ضمن بيئة مهنية شديدة التقييد، تتأثر بانعدام الأمن والاستقطاب السياسي والأعراف الاجتماعية الراسخة. ورغم استمرار وجود النساء في غرف الأخبار ومنصات الإعلام، فإن مشاركتهن غالبًا ما تكون هشة، كما أن تقدمهن المهني يواجه قيودًا بسبب التحرش والتهديدات — سواء عبر الإنترنت أو في الواقع — وغياب الحماية المؤسسية الفعالة. وكما تقول البرعصي، فإن تهميش النساء عن المشاركة السياسية الفعالة أثر بشكل مباشر على أجندات وسائل الإعلام. وعلى الرغم من وجود حصص رسمية للجنسين، فإن تمثيل النساء يظل رمزياً إلى حد كبير، وغالباً ما يتحدد حسب تقاسم السلطة الإقليمي أو القبلي بدلاً من الجدارة، مما يؤدي إلى تأثير وظهور محدودين. وينعكس هذا الدور الهامشي في التغطية الإعلامية، حيث نادراً ما تُعطى الأولوية للقضايا المتعلقة بحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. وعلى وجه الخصوص، كانت تغطية العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف المنزلي — على الرغم من الحالات العديدة التي شملت نساءً وأطفالاً، بما في ذلك الحوادث المميتة التي أُبلغ عنها في عام ٢٠٢٥ — متقطعةً وسطحيةً. ويعكس فشل المؤسسات الإعلامية في معالجة هذه القضايا بشكل نقدي القيود الهيكلية الأوسع نطاقاً، بما في ذلك ضعف الحماية القانونية والوصمة الاجتماعية والمثبطات السياسية، التي تعمل مجتمعةً على تهميش كل من الصحفيات والقضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي داخل المجال العام الليبي.
تغطية القضايا البيئية
لا تزال القضايا البيئية هامشية في وسائل الإعلام الليبية، حيث لا توجد وسائل إعلام متخصصة في الشؤون البيئية، كما أن عدد الصحفيين المتخصصين في هذا المجال والذين تلقوا تدريباً رسمياً قليل. ووفقاً لفحيل البوم، فإن مواضيع مثل التلوث، والأضرار البيئية المرتبطة بالنفط، وتلوث المياه الجوفية، وتغير المناخ، لا تحظى إلا بتغطية محدودة وغير مستمرة، مما يساهم في ضعف الضغط الشعبي على مؤسسات الدولة.
تشير انتصار البرعصي إلى أن التغطية الصحفية البيئية ظلت حتى وقت قريب قائمة إلى حد كبير على التوعية وتجنبت التعمق الاستقصائي. ومع ذلك، عندما بدأ الصحفيون في التحقيق في الانتهاكات البيئية التي تورط فيها فاعلون مؤثرون، واجهت التغطية ضغوطاً ومحاولات لتقييدها. وبالمثل، تصف الصحفية هندية العشيبي الصعوبات السابقة في الوصول إلى البيانات البيئية الرسمية، حيث كان يعتمدون غالباً بدلاً من ذلك على الجمعيات المحلية والمصادر غير الرسمية. وفي حين شجع الاهتمام الدولي بقضايا المناخ مؤخراً على اتباع نُهج استقصائية أكثر من ذي قبل، لا يزال الانخراط هشاً وغير متسق.
من منظور دولي، يتناقض هذا الوضع مع الأطر التي تروج لها اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والتي تؤكد على أن الصحافة البيئية عنصر أساسي للمساءلة والشفافية والمشاركة العامة في الحوكمة البيئية.
تغطية قضايا الهجرة
يواجه الصحفيون في ليبيا تحديات هيكلية وسياسية ومهنية كبيرة عند تغطية قضايا الهجرة، مما يؤدي إلى تغطية إخبارية محدودة وانتقائية ومشوهة في كثير من الأحيان. وكما تشير البرعصي ، تميل وسائل الإعلام الحكومية والموالية للحكومة إلى تصوير الهجرة من منظور السلطات المهيمنة، مع إعطاء الأولوية للروايات الأمنية، بل وتبرير الممارسات القاسية أحياناً باعتبارها جزءاً من «الواجب الوطني». نادراً ما تُعطى الهجرة الأولوية في السياسات التحريرية، ولا تزال التقارير المتعمقة المتعلقة بالجانب الإنساني أو الحقوقي هامشية.
وتلاحظ الصحفية هند العشيبي أيضاً أن التغطية ضعيفة عموماً وتتأثر بالصور النمطية للمهاجرين باعتبارهم مجرمين أو تهديداً للسيادة أو عبئاً على المجتمع. ويتم تجاهل القضايا التي تؤثر على النساء والأطفال المهاجرين إلى حد كبير، لا سيما ظروفهم المعيشية ونقاط ضعفهم وتحديات اندماجهم. وتضاعف العوائق العملية التي تواجه العمل الصحفي من هذه التحيزات: فالوصول إلى مراكز الاحتجاز أو مستوطنات المهاجرين غير الرسمية مقيد للغاية، ويواجه الصحفيون صعوبات في الحصول على تصاريح أو الوصول الآمن أو الوثائق الموثوقة، ويواجهون أحياناً مطالب مالية مقابل الوصول الأساسي إلى المصادر أو المواقع.
يؤكد أحد الصحفيين والناشطين المعروفين على الحساسية السياسية لقضية الهجرة بسبب تورط جهات فاعلة حكومية وغير حكومية على حد سواء. ويقول إن هذه القضية تشكل عبئًا حقيقيًا على البلاد، حيث تؤثر على جوانب متعددة من الحياة اليومية، ومع ذلك يواجه الصحفيون المحليون مخاطر كبيرة عند محاولتهم تغطية هذه القضايا. وفي حين تسلط وسائل الإعلام الدولية الضوء غالبًا على الانتهاكات والمخالفات الموثقة —وهي حقيقية وخطيرة— فإن مثل هذه التغطية قد تتجاهل الأبعاد الهيكلية والاجتماعية والاقتصادية الأوسع نطاقًا للأزمة. وقد أدى توقف المشاريع المستقلة الممولة من الجهات المانحة، والتي كانت تتيح في السابق تغطية أكثر توازناً، إلى تضييق المجال أمام التغطية المتنوعة. وبالتالي، في بيئة إعلامية مستقطبة ومُحكومة من الجهات المهيمنة، تظل تغطية الهجرة مقيدة بالمصالح السياسية، والعداء العام، والشفافية المحدودة، والمخاطر الأمنية التي يواجهها الصحفيون.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة النشوء، إلا أنه بدأ في إعادة تشكيل منظومة المعلومات المضللة. فالديناميات المذكورة أعلاه فيما يتعلق بالمعلومات المضللة تتشابك بشكل متزايد مع الاستخدام غير المنظم للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار الليبية. وكما تشير الصحفية البرعصي، لم يتم دمج الذكاء الاصطناعي رسمياً في سير العمل التحريري، على الرغم من تزايد وجوده غير الرسمي في الممارسة الصحفية. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة مجزأة يعتمد فيها الصحفيون من المستويات الدنيا على أدوات الذكاء الاصطناعي دون رقابة متسقة، في حين تفتقر الهياكل التحريرية العليا غالبًا إلى القدرة على تقييم المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
بينما يجادل فحيل البوم بأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة العملية لا يزال إلى حد كبير أداةً مدفوعةً سياسيًا. وغالبًا ما يُستخدم لتوليد محتوى أو صور تُستخدم في هجمات حزبية، أو لإنشاء حسابات وهمية يتم من خلالها نشر روايات متوافقة سياسيًا كجزء من حرب إعلامية مستمرة. وفي غياب الأطر التنظيمية أو التدريب المهني المنظم، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من نفس النظام البيئي المعلوماتي المستقطب الذي وُصف سابقًا.
وبالتالي، بدلاً من التخفيف من حدة المعلومات المضللة، غالبًا ما يتم استيعاب أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنماط القائمة للصراع السياسي، مما يضخم المحتوى المُتلاعب به أو المُصطنع — بما في ذلك الصور الملفقة والحملات السردية المنسقة — ويعزز ديناميات التضليل الأوسع نطاقًا التي تميز المشهد الإعلامي المجزأ في ليبيا.
المصادر
الإطار القانوني وإصلاح وسائل الإعلام
- المادة 19، (٢٠٢٤)، ليبيا: حماية حرية الصحافة ودعم إصلاحات وسائل الإعلام.
- فريدوم هاوس، الحرية على الإنترنت ٢٠٢٤: ليبيا – تحليل قانون الجرائم الإلكترونية.
- هيومن رايتس ووتش. (٢٠٢٥) ليبيا: التحقيق في قضيتي اختفاء اثنين من أعضاء البرلمان.
- هيومن رايتس ووتش (٢٠٢٥). ليبيا: القمع المستمر للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام.
مراسلون بلا حدود. (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥). الملف القطري لليبيا ومؤشر حرية الصحافة العالمي.
- القدس العربي (٢٠٢٥) ليبيا: جدل واسع حول اختفاء صحفي.
النوع الاجتماعي والعنف الرقمي
- المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب(OMCT) ٢٠٢٤ العنف الرقمي: مسألة حياة أو موت للنساء الليبيات.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة. (٢٠٢٣). موجز عن ليبيا: المشاركة السياسية للمرأة والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الهجرة والتغطية الإعلامية
المنظمة الدولية للهجرة (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥). تقارير عامة عن الهجرة والحماية في ليبيا.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (٢٠٢٤ -٢٠٢٥) تحديث العمليات في ليبيا: اللاجئون وطالبو اللجوء.
منظمة هيومن رايتس ووتش. (2024–2025). تقارير حول احتجاز المهاجرين، والانتهاكات، والمساءلة في ليبيا.
اليونسكو. (بدون تاريخ). إرشادات حول تغطية قضايا الهجرة والصحافة الأخلاقية.
مجلة المنارة. (بدون تاريخ). دراسات إعلامية حول تغطية الهجرة في ليبيا.
التضليل الإعلامي والذكاء الاصطناعي
المنظمة الدولية للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) ٢٠٢٥، مكافحة المعلومات المضللة في البيئة الانتخابية الليبية.
المادة 19. (٢٠٢٤). ليبيا: الحقوق الرقمية وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة.
المادة 19. (2024). وسائل الإعلام وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة في سياقات النزاع.
اليونسكو (٢٠٢٣ – ٢٠٢٥) تقارير حول التحقق من الحقائق ومهارات التعامل مع وسائل الإعلام في السياقات الهشة.
قضايا البيئة
- اليونسكو (٢٠٢٣ – ٢٠٢٤). إرشادات الصحافة والتغطية الإعلامية للمناخ والبيئة.
- برنامج الأمم المتحدة للبيئة. (٢٠٢٣-٢٠٢٥). أطر الحوكمة البيئية والمشاركة العامة.
مواضيع محلية
المنظمة الليبية للإعلام المستقل. (٢٠٢٤ -٢٠٢٥). تقارير الرصد حول أداء وسائل الإعلام والتحديات القطاعية.
ليبيا
منظمة مراسلون بلا حدود – مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام ٢٠٢٥: ١٣٧ /١٨٠ (أيار /مايو ٢٠٢٥)
منظمة فريدوم هاوس – الحرية في العالم ٢٠٢٥: ١٠/ ١٠٠ – (آذار/ مارس ٢٠٢٥)
منظمة الشفافية الدولية – مؤشر مدركات الفساد (CPI) ٢٠٢٤: ١٣/١٠٠ والترتيب ١٧٣/١٨٠ (شباط/فيراير ٢٠٢٥)
تعكس هذه التصنيفات مجتمعة بيئة إعلامية تتصف بالهشاشة الهيكلية، وضعف الضمانات المؤسسية، وارتفاع مستويات الفساد والتدخل السياسي.
حرية التعبير
لا تزال حرية التعبير في ليبيا مقيدة بشدة، حيث يواجه الصحفيون الترهيب والضغط المستمر من سلطات الدولة والجهات المسلحة، فضلاً عن انتشار الرقابة الذاتية على نطاق واسع. وكما تشير الصحفية انتصار البرعصي، لم يحدث أي توسع ملموس في نطاق الحرية في السنوات الأخيرة؛ بل على العكس، تراجع التعبير العام بشكل متزايد بسبب الخوف والشعور بعدم الجدوى. وترى أن الضغوط المستمرة منذ عام ٢٠١٤ قد أعادت تشكيل وسائل الإعلام لتصبح أدوات سياسية تخدم الجهات المهيمنة.
وبالمثل، يلاحظ رضا فحيل البوم، رئيس المنظمة الليبية للإعلام المستقل (LOFIM)، أنه لم يحدث أي تحسن ملموس مقارنة بالعام السابق. ويبرز استمرار احتجاز الصحفي صالحين الزروالي ومحاكمته عسكرياً في بنغازي بموجب تعديلات على الإجراءات العسكرية وقوانين مكافحة الإرهاب التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، مع شفافية محدودة تحيط بالإجراءات. وعلى الرغم من عدم الإبلاغ عن أي اعتقالات جديدة، إلا أن القيود لا تزال قائمة، وزادت حالات التشهير وخطاب الكراهية على التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. على الرغم من الانتهاكات الموثقة من قبل الهيئة العامة لمراقبة المحتوى الإعلامي، لا يزال التنفيذ بطيئاً، مما يعزز نقاط الضعف الهيكلية مثل الحوكمة المجزأة، وتأثير الميليشيات، واستقلالية القضاء المحدودة التي لا تزال تقوض حرية التعبير الحقيقية. على الرغم من هذا، الا ان تقدم محدود قد لوحظ، ينعكس في تحسن طفيف في ترتيب ليبيا في مؤشر الحريات لمنظمة مراسلون بلا حدود والمناقشات الجارية حول الإصلاح القانوني —إلا أن التحديات الهيكلية لا زالت قائمة.
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
لم تصدر أي قوانين إعلامية جديدة في عام ٢٠٢٥. ولا يزال العمل الصحفي في ليبيا يخضع في المقام الأول لقانون المطبوعات (القانون رقم ٧٦ لعام ١٩٧٢)، وهو تشريع تم سنه قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة ولا يعالج تعقيدات الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام الرقمية أو المنصات الاجتماعية، مما يترك الصحفيين دون حماية قانونية أو وضوح بشأن القضايا الأساسية مثل الاعتماد وتصاريح العمل والحقوق التشغيلية.
التعددية
يبدو المشهد الإعلامي الليبي متعددًا في ظاهره، لا سيما في مجال التلفزيون، حيث يتم تمثيل تيارات سياسية متعددة. ومع ذلك، فإن هذه التعددية تعكس انقسامًا سياسيًا أكثر مما تعكس استقلالية حقيقية. فمعظم القنوات إما ممولة من الحكومة أو متحالفة مع أطراف سياسية وعسكرية مهيمنة، مما يؤدي إلى تشكيل روايات حزبية تعزز الاستقطاب. وكما يشير البرعصي، تدعي العديد من وسائل الإعلام استقلاليتها بينما تظل مرتبطة هيكليًا بمراكز السلطة، مما يؤدي إلى تغطية متحيزة ومعايير مهنية ضعيفة.
هذا التشرذم جغرافي أيضاً. يلاحظ فحيل البوم أن وسائل الإعلام الغربية والشرقية تنتقد سلطات بعضها البعض علناً، حيث توفر طرابلس هامشاً أوسع نسبياً للتعبير مقارنة بالشرق أو الجنوب. ومع ذلك، لا يشير هذا الاختلاف إلى حرية جوهرية؛ بل يعكس مجالاً إعلامياً منقسماً تعمل فيه وسائل الإعلام كأدوات لهياكل سلطة متنافسة.
تواصل محطات الإذاعة البلدية المحلية تغطية الشواغل اليومية للمواطنين على الرغم من انحيازها للسلطات المهيمنة في مناطقها، في حين تخلت الإذاعات التجارية الخاصة إلى حد كبير عن التغطية السياسية لصالح الترفيه لحماية عائدات الإعلانات. لا تزال وسائل الإعلام المستقلة نادرة، وقد اختفت الصحافة المطبوعة تقريبًا. كانت الطبيعة المستقطبة لهذا البيئة واضحة في تغطية مقتل سيف الإسلام القذافي، حيث صورت وسائل الإعلام الحدث وفقًا للخطوط الفئوية، ولم تظهر سوى قناة «الوسط» التلفزيونية معايير مهنية أعلى نسبياً. ويعكس النظام الإعلامي الليبي سمات التعددية المستقطبة في سياق دولة ممزقة.
الرقابة والرقابة الذاتية
بالاستناد إلى تأكيد الكاتب والصحفي سعد العشة بأن «الرقابة الذاتية تكمن في عواقبها… في تجنب خوض معركة خاسرة مع المجتمع»، يمكن فهم حرية التعبير في ليبيا على أنها مقيدة بالتفاعل بين الضغط الاجتماعي وممارسات الدولة. يجادل العشة بأنه، على عكس الدول التي تحمي حرية التعبير بنشاط ضد الأعراف المجتمعية، تميل الدولة الليبية إلى التوافق مع الرأي العام السائد تحت عنوان” الأخلاق العامة“، مما يعزز الرقابة الذاتية. تتجلى هذه الديناميكية بشكل خاص فيما يتعلق بالقضايا الحساسة اجتماعياً، والتي تجنبت الحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام القذافي إلى حد كبير تناولها. تعمل هذه السلطات في المقام الأول كحكومات مؤقتة تفتقر إلى مشاريع متماسكة طويلة الأمد، وتمنح الأولوية للأهداف السياسية قصيرة الأجل على حساب المصلحة العامة أو التغيير الاجتماعي الإيجابي المستدام.
على النقيض من ذلك، تخضع القضايا السياسية لقمع مباشر وشديد. ويواجه الصحفيون والمنتقدون الذين يحاولون فضح الفساد أو التعبير عن معارضتهم لأي من الحكومتين المتنافستين الاعتقال والتعذيب، والسجن، والاختفاء القسري، والتشهير. ويُعد احتجاز وتعذيب الصحفي الاقتصادي أحمد السنوسي، عقب نشره لوثائق تزعم وجود فساد داخل وزارة الاقتصاد التابعة للحكومة المتمركزة في طرابلس، مثالاً على هذا النمط، وفقاً لما أوردته كل من منظمة هيومن رايتس ووتش وصحيفة «القدس العربي». وفي شرق ليبيا، كان القمع أكثر انتشاراً، حيث لم تقتصر حالات الاختفاء القسري على الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام فحسب، بل شملت أيضاً أعضاء البرلمان، وفقاً لتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
لا تزال وسائل الإعلام الليبية تتأثر بشدة بالتضليل الإعلامي والمعلومات المضللة، لا سيما في القضايا السياسية الحساسة والبارزة. وكما يشير فحيل البوم، فإنه على الرغم من تنظيم العديد من ورش العمل التدريبية للصحفيين وإنشاء «الهيئة العامة لمراقبة المحتوى الإعلامي» لمكافحة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، لا تزال العديد من وسائل الإعلام تعتمد على معلومات غير مؤكدة يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ساهمت هذه الممارسة في انتشار التقارير الكاذبة أو المضللة على نطاق واسع، لا سيما في الحوادث السياسية والأمنية الكبرى، مثل ما نُقل عن مقتل رئيس الأركان عمر الحداد وقضية المدونة خنساء المجاهد، حيث نقلت وسائل الإعلام المحلية وحتى الإقليمية ادعاءات غير مؤكدة من مصادر مجهولة أو ذات دوافع سياسية. ووفقاً لرضا فحيل البوم، فإن مثل هذه التقارير لم تضلل الرأي العام فحسب، بل أدت أيضاً إلى تعقيد عمليات التحقيق وسمحت لوسائل الإعلام الممولة سياسياً باستغلال الروايات الكاذبة في إرسال رسائل استراتيجية.
وبالمثل، تلاحظ البرعصي ظهور مبادرات للتحقق من الحقائق ومكافحة التضليل خلال السنوات الخمس الماضية، غالبًا بتمويل من جهات مانحة دولية. ساهمت هذه المشاريع في توعية الجمهور بشأن التلاعب والأخبار المزيفة والخداع الرقمي، وأدت إلى إنشاء عدة منصات للتحقق من الحقائق. ومع ذلك، كانت معظم المبادرات قصيرة الأجل وتفتقر إلى الاستدامة المالية، مما حد من تأثيرها الهيكلي على المدى الطويل.
تشير التقارير الصادرة مؤخرًا عن المنظمات الدولية لعام ٢٠٢٥ إلى أن المعلومات المضللة في ليبيا لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاستقطاب السياسي، وضعف المعايير التحريرية، وغياب آليات مؤسسية قوية للتحقق من صحة المعلومات. وغالبًا ما تمنح وسائل الإعلام الأولوية للسرعة والانتماء السياسي على حساب التحقق من صحة المعلومات، في حين تُعد البيئات الرقمية — ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي — مصادر المعلومات الأساسية للصحفيين، مما يؤدي إلى تضخيم الروايات غير المؤكدة. على الرغم من أن هيئات الرقابة ومنظمات المجتمع المدني قد وثقت الانتهاكات وأصدرت تحذيرات، إلا أن إنفاذ القانون لا يزال بطيئاً ومجزأً، ولم يتم إضفاء الطابع المؤسسي على أي استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التضليل.
الحق في الحصول على المعلومات
لا يوجد حالياً أي قانون يضمن الحق في الوصول إلى المعلومات في ليبيا، على عكس دول أخرى في المنطقة مثل تونس. يرى صحافيون أن المؤسسات الحكومية التي تشكلت مؤخراً لم تنجح في إجراء إصلاحات ملموسة لتسهيل الوصول إلى المعلومات أو سن تشريعات تحمي الصحافة وتعزز استقلالية وسائل الإعلام. وتشير كذلك إلى غياب التدابير التنظيمية التي تتناول قيود النشر وإجراءات الاعتماد أو الوضع القانوني للصحفيين المستقلين.
وتردد الليبية للإعلام المستقل هذه المخاوف، مؤكدة أن الوصول الفعلي إلى المعلومات لا يزال غائباً إلى حد كبير في الممارسة العملية، على الرغم من صدور تعميم حكومي عن حكومة الوحدة الوطنية لتعزيز الشفافية في نشر البيانات الرسمية. وفي الواقع، تواصل معظم المؤسسات العامة حجب المعلومات عن الصحفيين ووسائل الإعلام. ولم يُظهر سوى عدد محدود من الهيئات — مثل هيئة مكافحة الفساد ووكالة التحقيق في الجرائم المالية — انفتاحاً نسبياً وتعاون مع منظمات المجتمع المدني من خلال توفير البيانات اللازمة للتحقيقات الصحفية.
إن الانقسام السياسي المستمر وعدم اليقين المؤسسي قد زادا من ضعف الصحفيين، مما جعلهم موضع شك من قبل السلطات في كل من شرق ليبيا وغربها. وفي هذا السياق، تتسم الممارسة الصحفية بالحذر ومن حالة انعدام الأمن، في حين أن غياب نقابة صحفية موحدة يضعف الحماية المهنية الجماعية بشكل أكبر.
أمن الصحفيين
لا يزال الصحفيون في ليبيا يواجهون تهديدات أمنية خطيرة، بما في ذلك الاعتقال والاحتجاز التعسفيان، والمضايقات القضائية، والتهديدات والترهيب، والاعتداء الجسدي، ومصادرة المعدات من قبل الجهات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. ولا تزال حالات الاختفاء القسري تشكل مصدر قلق كبير، لا سيما في شرق ليبيا، إلى جانب الإفلات من العقاب على نطاق واسع في حالة الانتهاكات المرتكبة ضد العاملين في مجال الإعلام. وتتفاقم هذه المخاطر بسبب الانقسام السياسي، ووجود الجماعات المسلحة، والأطر القانونية التقييدية التي تمكّن السلطات من قمع التغطية الصحفية الناقدة. وقد وثقت منظمات الرصد الدولية هذه الانتهاكات باستمرار، مشيرة إلى أن غياب المساءلة والحماية القانونية الفعالة قد خلق مناخاً من الخوف يقوض بشدة الصحافة المستقلة وحرية التعبير (مراسلون بلا حدود، ٢٠٢٤؛ هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٥؛ المادة ١٩، ٢٠٢٤)
آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
في ليبيا، تختلف نماذج الاقتصادية الخاصة بوسائل الإعلام السائدة والمستقلة اختلافاً كبيراً، وتؤثر عليها بشدة الانقسامات السياسية وانعدام الأمن وضعف هياكل السوق. وعادةً ما تعمل القنوات التلفزيونية السائدة ووسائل الإعلام الكبرى من خلال ترتيبات تمويل غير شفافة مرتبطة بالفاعلين السياسيين أو الجماعات المسلحة أو النخب التجارية التابعة لها. وتستمد إيراداتها إلى حد كبير من الإعلانات ذات التوجهات السياسية، أو شبكات المحسوبية ،أو الدعم الحكومي المباشر، أو الدعم الحكومي المباشر، بدلاً من الدخل المستمد من الجمهور أو المدفوع بقوى السوق. ونتيجة لذلك، تعطي هذه الوسائل الأولوية للتأثير السياسي والسيطرة على السرد على حساب الاستدامة التجارية، مما يحد بشدة من الاستقلالية التحريرية.
على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام المستقلة — التي يعمل الكثير منها رقمياً أو من الشتات — إلى حد كبير خارج الأطر التجارية التقليدية. فهي تعتمد في المقام الأول على تمويل المانحين، والمنح من المنظمات الدولية، والدعم القائم على المشاريع، والإعلانات الرقمية المحدودة. وفي حين أن هيكل التمويل هذا يوفر استقلالية تحريرية أكبر، فإنه يجعل هذه الوسائل هشة مالياً وعرضة بشدة للتعطيل أو الإغلاق. وتعمل المنظمات الإعلامية التابعة للمجتمع المدني، مثل المنظمة الليبية للإعلام المستقل، عمومًا ككيانات غير ربحية تركز على الدعوة والتدريب وحماية حرية الصحافة بدلاً من تحقيق الأرباح.
وتتسم منصات الأخبار الإلكترونية وتلك التي يديرها المغتربون، مثل «ليبيا هيرلد» و« ليبيا المحلية»، بأنماط تمويل مماثلة، حيث تعتمد على دعم المانحين والشراكات مع المجتمع المدني والتعاون مع المنظمات غير الحكومية الدولية من أجل استمرار عملياتها. وتؤكد منظمات الرصد الدولية باستمرار أن غياب سوق إعلاني مستقر، مقترناً بعدم اليقين القانوني والمخاطر الأمنية المستمرة، لا يزال يعوق تطوير نماذج اقتصادية إعلامية مستدامة ومستقلة في ليبيا.
التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
تُنفذ الجهود الرامية إلى تعزيز الثقافة الإعلامية في ليبيا بشكل أساسي من خلال مشاريع تمولها منظمات دولية، والتي، على الرغم من إنتاجها مواد مفيدة ومبادرات تدريبية، واجهت صعوبات في تحقيق تقدم مستدام. وغالبًا ما تكرر هذه البرامج أنشطة متشابهة عامًا بعد عام، كما واجهت عقبات مثل التعاون المحدود من جانب المؤسسات الحكومية، مما أضعف قدرتها على إشراك المؤسسات التعليمية الوطنية وتوسيع نطاق المجتمع المدني بفعالية. وعلى مستوى أكثر احترافية، قامت منظمات المجتمع المدني الليبية، مثل المنظمة الليبية للإعلام المستقل والمركز الليبي لحرية الصحافة، بمبادرات للرصد وبناء القدرات تهدف إلى تحسين جودة العمل الصحفي وتعزيز المعايير الأخلاقية في الممارسة الإعلامية. على سبيل المثال، قامت هذه المجموعات بتوثيق الانتهاكات المهنية، ودعت إلى الحوار حول وضع مدونة أخلاقيات إعلامية، ورفعت الوعي بمبادئ التغطية الأخلاقية، كجزء من حملات أوسع لإصلاح وسائل الإعلام (المادة ١٩، ٢٠٢٥). ومع ذلك، تعثرت هذه الجهود في كثير من الأحيان بسبب نقص التمويل المستدام أو الضغوط السياسية والأمنية المتزايدة التي تقيد نشاط المجتمع المدني. ويزيد غياب إطار قوي للتثقيف الإعلامي من التحديات التي يواجهها الصحفيون والمواطنون الذين يسعون إلى التعامل مع بيئة تتسم بضعف حرية الصحافة، والقيود القانونية الراسخة، والتهديدات المستمرة لحرية التعبير في ليبيا.
النوع الاجتماعي والإعلام
تعمل الصحفيات في ليبيا ضمن بيئة مهنية شديدة التقييد، تتأثر بانعدام الأمن والاستقطاب السياسي والأعراف الاجتماعية الراسخة. ورغم استمرار وجود النساء في غرف الأخبار ومنصات الإعلام، فإن مشاركتهن غالبًا ما تكون هشة، كما أن تقدمهن المهني يواجه قيودًا بسبب التحرش والتهديدات — سواء عبر الإنترنت أو في الواقع — وغياب الحماية المؤسسية الفعالة. وكما تقول البرعصي، فإن تهميش النساء عن المشاركة السياسية الفعالة أثر بشكل مباشر على أجندات وسائل الإعلام. وعلى الرغم من وجود حصص رسمية للجنسين، فإن تمثيل النساء يظل رمزياً إلى حد كبير، وغالباً ما يتحدد حسب تقاسم السلطة الإقليمي أو القبلي بدلاً من الجدارة، مما يؤدي إلى تأثير وظهور محدودين. وينعكس هذا الدور الهامشي في التغطية الإعلامية، حيث نادراً ما تُعطى الأولوية للقضايا المتعلقة بحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. وعلى وجه الخصوص، كانت تغطية العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف المنزلي — على الرغم من الحالات العديدة التي شملت نساءً وأطفالاً، بما في ذلك الحوادث المميتة التي أُبلغ عنها في عام ٢٠٢٥ — متقطعةً وسطحيةً. ويعكس فشل المؤسسات الإعلامية في معالجة هذه القضايا بشكل نقدي القيود الهيكلية الأوسع نطاقاً، بما في ذلك ضعف الحماية القانونية والوصمة الاجتماعية والمثبطات السياسية، التي تعمل مجتمعةً على تهميش كل من الصحفيات والقضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي داخل المجال العام الليبي.
تغطية القضايا البيئية
لا تزال القضايا البيئية هامشية في وسائل الإعلام الليبية، حيث لا توجد وسائل إعلام متخصصة في الشؤون البيئية، كما أن عدد الصحفيين المتخصصين في هذا المجال والذين تلقوا تدريباً رسمياً قليل. ووفقاً لفحيل البوم، فإن مواضيع مثل التلوث، والأضرار البيئية المرتبطة بالنفط، وتلوث المياه الجوفية، وتغير المناخ، لا تحظى إلا بتغطية محدودة وغير مستمرة، مما يساهم في ضعف الضغط الشعبي على مؤسسات الدولة.
تشير انتصار البرعصي إلى أن التغطية الصحفية البيئية ظلت حتى وقت قريب قائمة إلى حد كبير على التوعية وتجنبت التعمق الاستقصائي. ومع ذلك، عندما بدأ الصحفيون في التحقيق في الانتهاكات البيئية التي تورط فيها فاعلون مؤثرون، واجهت التغطية ضغوطاً ومحاولات لتقييدها. وبالمثل، تصف الصحفية هندية العشيبي الصعوبات السابقة في الوصول إلى البيانات البيئية الرسمية، حيث كان يعتمدون غالباً بدلاً من ذلك على الجمعيات المحلية والمصادر غير الرسمية. وفي حين شجع الاهتمام الدولي بقضايا المناخ مؤخراً على اتباع نُهج استقصائية أكثر من ذي قبل، لا يزال الانخراط هشاً وغير متسق.
من منظور دولي، يتناقض هذا الوضع مع الأطر التي تروج لها اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والتي تؤكد على أن الصحافة البيئية عنصر أساسي للمساءلة والشفافية والمشاركة العامة في الحوكمة البيئية.
تغطية قضايا الهجرة
يواجه الصحفيون في ليبيا تحديات هيكلية وسياسية ومهنية كبيرة عند تغطية قضايا الهجرة، مما يؤدي إلى تغطية إخبارية محدودة وانتقائية ومشوهة في كثير من الأحيان. وكما تشير البرعصي ، تميل وسائل الإعلام الحكومية والموالية للحكومة إلى تصوير الهجرة من منظور السلطات المهيمنة، مع إعطاء الأولوية للروايات الأمنية، بل وتبرير الممارسات القاسية أحياناً باعتبارها جزءاً من «الواجب الوطني». نادراً ما تُعطى الهجرة الأولوية في السياسات التحريرية، ولا تزال التقارير المتعمقة المتعلقة بالجانب الإنساني أو الحقوقي هامشية.
وتلاحظ الصحفية هند العشيبي أيضاً أن التغطية ضعيفة عموماً وتتأثر بالصور النمطية للمهاجرين باعتبارهم مجرمين أو تهديداً للسيادة أو عبئاً على المجتمع. ويتم تجاهل القضايا التي تؤثر على النساء والأطفال المهاجرين إلى حد كبير، لا سيما ظروفهم المعيشية ونقاط ضعفهم وتحديات اندماجهم. وتضاعف العوائق العملية التي تواجه العمل الصحفي من هذه التحيزات: فالوصول إلى مراكز الاحتجاز أو مستوطنات المهاجرين غير الرسمية مقيد للغاية، ويواجه الصحفيون صعوبات في الحصول على تصاريح أو الوصول الآمن أو الوثائق الموثوقة، ويواجهون أحياناً مطالب مالية مقابل الوصول الأساسي إلى المصادر أو المواقع.
يؤكد أحد الصحفيين والناشطين المعروفين على الحساسية السياسية لقضية الهجرة بسبب تورط جهات فاعلة حكومية وغير حكومية على حد سواء. ويقول إن هذه القضية تشكل عبئًا حقيقيًا على البلاد، حيث تؤثر على جوانب متعددة من الحياة اليومية، ومع ذلك يواجه الصحفيون المحليون مخاطر كبيرة عند محاولتهم تغطية هذه القضايا. وفي حين تسلط وسائل الإعلام الدولية الضوء غالبًا على الانتهاكات والمخالفات الموثقة —وهي حقيقية وخطيرة— فإن مثل هذه التغطية قد تتجاهل الأبعاد الهيكلية والاجتماعية والاقتصادية الأوسع نطاقًا للأزمة. وقد أدى توقف المشاريع المستقلة الممولة من الجهات المانحة، والتي كانت تتيح في السابق تغطية أكثر توازناً، إلى تضييق المجال أمام التغطية المتنوعة. وبالتالي، في بيئة إعلامية مستقطبة ومُحكومة من الجهات المهيمنة، تظل تغطية الهجرة مقيدة بالمصالح السياسية، والعداء العام، والشفافية المحدودة، والمخاطر الأمنية التي يواجهها الصحفيون.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة النشوء، إلا أنه بدأ في إعادة تشكيل منظومة المعلومات المضللة. فالديناميات المذكورة أعلاه فيما يتعلق بالمعلومات المضللة تتشابك بشكل متزايد مع الاستخدام غير المنظم للذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار الليبية. وكما تشير الصحفية البرعصي، لم يتم دمج الذكاء الاصطناعي رسمياً في سير العمل التحريري، على الرغم من تزايد وجوده غير الرسمي في الممارسة الصحفية. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة مجزأة يعتمد فيها الصحفيون من المستويات الدنيا على أدوات الذكاء الاصطناعي دون رقابة متسقة، في حين تفتقر الهياكل التحريرية العليا غالبًا إلى القدرة على تقييم المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
بينما يجادل فحيل البوم بأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة العملية لا يزال إلى حد كبير أداةً مدفوعةً سياسيًا. وغالبًا ما يُستخدم لتوليد محتوى أو صور تُستخدم في هجمات حزبية، أو لإنشاء حسابات وهمية يتم من خلالها نشر روايات متوافقة سياسيًا كجزء من حرب إعلامية مستمرة. وفي غياب الأطر التنظيمية أو التدريب المهني المنظم، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من نفس النظام البيئي المعلوماتي المستقطب الذي وُصف سابقًا.
وبالتالي، بدلاً من التخفيف من حدة المعلومات المضللة، غالبًا ما يتم استيعاب أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنماط القائمة للصراع السياسي، مما يضخم المحتوى المُتلاعب به أو المُصطنع — بما في ذلك الصور الملفقة والحملات السردية المنسقة — ويعزز ديناميات التضليل الأوسع نطاقًا التي تميز المشهد الإعلامي المجزأ في ليبيا.
المصادر
الإطار القانوني وإصلاح وسائل الإعلام
- المادة 19، (٢٠٢٤)، ليبيا: حماية حرية الصحافة ودعم إصلاحات وسائل الإعلام.
- فريدوم هاوس، الحرية على الإنترنت ٢٠٢٤: ليبيا – تحليل قانون الجرائم الإلكترونية.
- هيومن رايتس ووتش. (٢٠٢٥) ليبيا: التحقيق في قضيتي اختفاء اثنين من أعضاء البرلمان.
- هيومن رايتس ووتش (٢٠٢٥). ليبيا: القمع المستمر للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام.
مراسلون بلا حدود. (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥). الملف القطري لليبيا ومؤشر حرية الصحافة العالمي.
- القدس العربي (٢٠٢٥) ليبيا: جدل واسع حول اختفاء صحفي.
النوع الاجتماعي والعنف الرقمي
- المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب(OMCT) ٢٠٢٤ العنف الرقمي: مسألة حياة أو موت للنساء الليبيات.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة. (٢٠٢٣). موجز عن ليبيا: المشاركة السياسية للمرأة والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الهجرة والتغطية الإعلامية
المنظمة الدولية للهجرة (٢٠٢٤ – ٢٠٢٥). تقارير عامة عن الهجرة والحماية في ليبيا.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (٢٠٢٤ -٢٠٢٥) تحديث العمليات في ليبيا: اللاجئون وطالبو اللجوء.
منظمة هيومن رايتس ووتش. (2024–2025). تقارير حول احتجاز المهاجرين، والانتهاكات، والمساءلة في ليبيا.
اليونسكو. (بدون تاريخ). إرشادات حول تغطية قضايا الهجرة والصحافة الأخلاقية.
مجلة المنارة. (بدون تاريخ). دراسات إعلامية حول تغطية الهجرة في ليبيا.
التضليل الإعلامي والذكاء الاصطناعي
المنظمة الدولية للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA) ٢٠٢٥، مكافحة المعلومات المضللة في البيئة الانتخابية الليبية.
المادة 19. (٢٠٢٤). ليبيا: الحقوق الرقمية وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة.
المادة 19. (2024). وسائل الإعلام وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة في سياقات النزاع.
اليونسكو (٢٠٢٣ – ٢٠٢٥) تقارير حول التحقق من الحقائق ومهارات التعامل مع وسائل الإعلام في السياقات الهشة.
قضايا البيئة
- اليونسكو (٢٠٢٣ – ٢٠٢٤). إرشادات الصحافة والتغطية الإعلامية للمناخ والبيئة.
- برنامج الأمم المتحدة للبيئة. (٢٠٢٣-٢٠٢٥). أطر الحوكمة البيئية والمشاركة العامة.
مواضيع محلية
المنظمة الليبية للإعلام المستقل. (٢٠٢٤ -٢٠٢٥). تقارير الرصد حول أداء وسائل الإعلام والتحديات القطاعية.
سيتم توفير المعلومات قريبا
فلسطين
مؤشر مراسلون بلا حدود (الأحدث): ١٦٣
مؤشر فريدوم هاوس: قطاع غزة ٢/١٠٠، الضفة الغربية ٢٢/١٠٠
مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): غير متوفر
حرية التعبير
أثرت الحرب في غزة والتصعيد الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية على حرية التعبير، ليس فقط من خلال الاستهداف المتعمد للصحفيين، بل أيضاً على حرية التعبير بشكل عام. وتتمثل القضية الرئيسية المقلقة فيما يتعلق بحرية التعبير في الاستقطاب بين من يعتقدون أن أحداث ٧ أكتوبر/تشرين الأول أسفرت عن كارثة للفلسطينيين، ومن يقولون إن إسرائيل لم تكن تبحث عن ذريعة لتدمير قطاع غزة أو الاستمرار في التعليق على الجرائم في الضفة الغربية. وينطبق هذا أيضاً على منتقدي حماس الذين وُصفوا بـ”الخونة” أو “المتآمرين”، بل واتُهموا بـ”التعاون” مع إسرائيل.
بحسب دراسة أجراها المركز الفلسطيني للتنمية وحرية الإعلام (مدى)، يُعدّ التشهير من أكثر الأساليب شيوعًا التي يواجهها الصحفيون، حيث تعرّض 55.6% منهم لحملات منظمة عبر المنصات الرقمية لتشويه سمعتهم، يليه القرصنة وسرقة البيانات بنسبة 48.1%، ثم المراقبة الإلكترونية بنسبة 46.3%، بالإضافة إلى أشكال أخرى من العنف الرقمي كالمضايقات الرقمية والتهديدات والتنمر وخطاب الكراهية وسرقة الهوية.
ولا تزال شركات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا في انتهاك حرية التعبير في فلسطين. ووفقًا لتقرير حملة الصادر في ديسمبر 2025، “تم توثيق 7 انتهاكات تتعلق بتقييد الحسابات، إلى جانب 6 حالات حذف محتوى، و3 حالات تعليق حسابات، وحالتين من الحظر الخفي، بينما توزعت 5 حالات أخرى على أنواع مختلفة من العقوبات الرقمية”.
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
لم تشهد قوانين الإعلام في فلسطين أي تغييرات جوهرية. لا يزال قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية مصدر قلق بالغ لصناع القرار والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني. عقب الاعتراضات العديدة التي جاءت على القانون، قرر مجلس الوزراء الفلسطيني في 30 أبريل/نيسان 2025 تشكيل لجنة وطنية لتعديل المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتقنية المعلومات، وتعديلاته. وتضم اللجنة ممثلين عن وزارة العدل، ووزارة الداخلية، والنيابة العامة، ووزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومنظمات المجتمع المدني. وتهدف اللجنة إلى مراجعة الاعتراضات وتقديم توصياتها إلى الحكومة.
أما فيما يتعلق بقانون الحق في الحصول على المعلومات، فقد نشرت وزارة العدل مسودة مرسوم متعلقة بهذا القانون في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أثارت جدلاً واسعاً حوله. اعتبر البعض النسخة الأخيرة تحسينًا على المسودات السابقة، لكنها لا تزال بحاجة إلى معالجة العديد من القضايا الجوهرية، أبرزها توسيع نطاق الاستثناءات الأمنية والاقتصادية، وغياب أحكام واضحة تضمن مواءمة التشريعات، مما يجعل قانون الحق في الحصول على المعلومات المرجع الأعلى في حال نشوب أي نزاع. مع ذلك، يرى مؤيدو القانون أنه ركيزة أساسية لتعزيز النزاهة ومنع الفساد، نظرًا لتحديد الاستثناءات بدقة.
التعددية
على الرغم من كثرة وسائل الإعلام في فلسطين، إلا أن الإعلام لا يزال يعاني من تعددية سطحية ومصطنعة نتيجة محدودية التنوع والابتكار والتجديد في المحتوى والبرامج. فمعظم البرامج التلفزيونية والإذاعية، على سبيل المثال، تتبع النمط نفسه، إذ أصبحت نخبوية، حيث يقتصر النقاش فيها على المحللين والسياسيين والأكاديميين لمناقشة الشؤون العامة، بينما نادرًا ما يُمثَّل المواطنون العاديون. وقد تحولت العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية المحلية إلى أدوات دعائية للأحزاب السياسية، لا سيما مع الحرب على غزة. وإلى جانب غياب التنوع في العرض، يبرز بشكل خاص غياب الصحافة الاستقصائية، باستثناء بعض المحاولات النادرة.
علاوة على ذلك، فشلت وسائل الإعلام الفلسطينية في أداء دورها الرقابي على السلطة السياسية. فقد عجزت الصحافة المطبوعة عن مواكبة التطورات التكنولوجية في المشهد الإعلامي الرقمي الجديد، ولم تتمكن من التكيف مع الهيكل التنظيمي المتغير وعلاقتها بالجمهور الشاب. وقد ساهم ذلك في تراجع نسبة القراءة بين الشباب الفلسطيني. كما تعاني وسائل الإعلام المطبوعة من أزمة هيكلية عميقة على جميع المستويات، من التوزيع إلى هيئات التحرير. وقد أتاح هذا السياق بروز وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك، الأمر الذي ولّد خيبة أمل لدى الرأي العام الفلسطيني تجاه الديمقراطية وتنوع وسائل الإعلام.
الرقابة والرقابة الذاتية
في فلسطين، لا توجد رقابة مسبقة على المنشورات، بل رقابة لاحقة، تفرضها إسرائيل بشكل رئيسي، بالإضافة إلى النظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن الرقابة الاجتماعية التي تمارسها الشركات والمعلنون. وقد أدى هذا إلى قيام سائل الإعلام والصحفيون بفرض رقابة ذاتية أو “رقابة مسبقة” على مواضيع تشمل قضايا حساسة، أو محظورة، أو انتقادات سياسية، أو قضايا تتعلق بالفساد. وإلى جانب أشكال الرقابة التقليدية، يتعرض الصحفيون والناشطون الفلسطينيون لتهديدات وانتهاكات رقمية. ووفقًا لدراسة أجراها المركز الفلسطيني للتنمية وحرية الإعلام (مدى)، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي والسلطات في الضفة الغربية وقطاع غزة أدوات رقمية لمراقبة المحتوى، وحجب الحسابات، أو استدعاء الصحفيين بناءً على نشاطهم على الإنترنت.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
كشفت دراسة نشرها المرصد الفلسطيني للتحقق من الحقائق والتثقيف الإعلامي (تحقيق) أن المحتوى المضلل (47.25%) هيمن على المشهد الرقمي الفلسطيني خلال شهري فبراير ومارس 2025، يليه المحتوى الكاذب بنسبة 44.44%، ثم المحتوى الضار بنسبة 8.31%. وتعكس النسبة المرتفعة للمحتوى الكاذب حجم التداخل الكبير في المشهد المعلوماتي الفلسطيني، حيث تنتشر الأخطاء في سياقات يمكن إساءة تفسيرها أو استغلالها. وغالبًا ما يُعزى هذا النوع من المحتوى إلى إعادة تداول مواد قديمة، أو نقص المعرفة، أو ضعف مهارات التحرير، وليس بالضرورة إلى تلاعب مباشر.
كما كشفت الدراسة عن هيمنة واضحة للمصادر الفردية على المشهد المعلوماتي، إذ ساهمت صفحات الأفراد والمستخدمين العاديين بالحصة الأكبر من المحتوى المضلِّل والكاذب. ويُعزى ذلك إلى محدودية الوعي المعلوماتي لدى الجمهور، إضافةً إلى التأثير العاطفي الكبير خلال الأزمات، مما يؤدي إلى تداول المعلومات دون التحقق منها .أما المنصات الإخبارية، فتتضاعف خطورتها لأنها تُضفي على المعلومات المضلِّلة مظهرًا من المصداقية الرسمية، مما يسهم في انتشارها بشكل أوسع، خاصةً عند اقتباسها أو إعادة نشرها عبر منصات أخرى مرتبطة بجهات ذات توجهات سياسية.
وتُعدّ المعلومات المضللة والمغلوطة جزءًا من الحرب على غزة. وقد انتشر جزء كبير من هذا المحتوى على نطاق واسع عبر الإنترنت، حيث تداولت عشرات الملايين من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وساهمت مصادر متنوعة، من بينها مسؤولون حكوميون، ووسائل إعلام، ومؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف البلدان، في نشر هذه المعلومات المضللة والمغلوطة. تلعت العديد من المؤسسات الفلسطينية دوراً محوريا في مكافحة المعلومات المضللة والمغلوطة، وأبرزها “حملة” و”تحقيق” و”كاشف”. كما تلعب بعض وسائل الإعلام دوراً بارزاً في دحض الروايات المضللة من خلال الصحافة الاستقصائية، وذلك بتوفير تقارير موثقة تُسهم في مواجهة المعلومات المضللة المنتشرة على نطاق واسع حول فلسطين.
الحق في الحصول على المعلومات
يُهيئ غياب قانون الحق في الحصول على المعلومات في فلسطين بيئة خصبة لانتشار الشائعات والأخبار الملفقة والمعلومات المضللة. ويلجأ الباحثون عن المعلومات، الذين لا يجدونها عبر القنوات الرسمية والوسائل القانونية، إلى أساليب بديلة، قد تُفضي إلى معلومات دقيقة، أو شائعات، أو معلومات مُشوَّهة، أو حتى معلومات ملفقة. وقد عاد النقاش الوطني حول قانون الحق في الحصول على المعلومات إلى الواجهة بعد نشر مسودة القانون لعام 2025، والتي طُرحت لأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا ولم تُقرّ. وتكمن المشكلة الأبرز في مسودة 2025 في استثناءاتها الفضفاضة المتعلقة بمفاهيم واسعة النطاق مثل “الأمن القومي” و”الاقتصاد الوطني” و”المصلحة العامة”. قد تُستخدم هذه المصطلحات لحرمان المواطنين من الوصول إلى المعلومات إذا لم تُحدد بوضوح. علاوة على ذلك، يُعطي مشروع القانون الأولوية لقوانين أخرى ذات طبيعة سرية أو أمنية في حالات النزاع، مما قد يُفقد القانون الجديد فعاليته. (انظر القسم 2: قوانين الإعلام.
أمن الصحفيين
على الرغم من وقف إطلاق النار في غزة، تواصل إسرائيل استهداف الصحفيين. ففي 21 يناير/كانون الثاني 2026، أسفرت غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة على مركبة في وسط غزة عن مقتل المصور الصحفي المستقل عبد الرؤوف شعث، وهو مراسل يعمل بانتظام مع وكالة فرانس برس، ومحمد قشطة، المتحدث باسم اللجنة المصرية الذي كان ينشر الأخبار عبر حسابه على تطبيق تيليجرام، وأنس غنيم، المصور الصحفي المستقل ومُشغل الطائرات المسيرة الذي كان يعمل لدى سمارت ميديا. وجاء الهجوم أثناء قيام الصحفيين الثلاثة بمهمة لصالح اللجنة المصرية.
ولا تزال الضفة الغربية بيئة معادية للصحفيين. ولا تقتصر الهجمات على الصحفيين على الجنود الإسرائيليين فحسب، بل تشمل أيضاً المستوطنين الإسرائيليين. أظهرت مقاطع الفيديو، في مناسبات عديدة، استهدافًا مباشرًا ومتعمدًا للصحفيين من قبل جنود إسرائيليين، سواءً بالاعتداء الجسدي أو بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، وفي بعض الحالات استُخدمت الذخيرة الحية.
كما هاجم مستوطنون إسرائيليون، غالبًا ما يكونون تحت حراسة الجنود، صحفيين وصحافيات. وكان أبرز هذه الاعتداءات الهجوم على المصورة الصحفية رنين صوافطة، التي نجت من الموت بعد تعرضها للضرب المبرح على يد مستوطنين في قرية بيتا شمال الضفة الغربية. وكانت صوافطة برفقة مستشار الأمن في رويترز، جرانْت باودن الذي تعرض للضرب أثناء محاولته حمايتها.
آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
في ظل تعقيدات السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تبقى نماذج أعمال الإعلام في فلسطين على حالها. ويُعدّ التمويل من الجهات المانحة، الذي يعتمد على المشاريع المدعومة من جهات مانحة دولية، أبرزها. إلا أن هذا المصدر لم يعد متوفر بسبب نقص التمويل في الأصل. أما النموذج الآخر فهو الإعلان، وهو محدود وغير منتظم نظرًا لصغر حجم السوق، والقيود السياسية والاقتصادية، فضلًا عن المنافسة مع إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي. وتتبنى معظم وسائل الإعلام نموذجًا هجينًا يجمع بين التمويل من الجهات المانحة والإعلان والخدمات التجارية.
الإعلام المستقل: الوضع العام والتحديات
يمثل الإعلام المستقل في فلسطين مساحة نادرة للتعبير الحر وسط بيئة سياسية معقدة وضغوط أمنية واقتصادية هائلة. ويعمل الصحفيون المستقلون في ظروف استثنائية، إذ يواجهون قيودًا يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الاعتقالات والمضايقات وحظر التغطية، فضلًا عن تحديات داخلية تتعلق بالانقسام والاستقطاب السياسي. من أبرز هذه المؤسسات الإعلامية وكالة معا للأنباء، وشبكة وطن الإعلامية، وشبكة فلسطين الإعلامية، وإذاعة نساء إف إم، وشبكة أجيال، وإذاعة 24 إف إم، وإذاعة شباب إف إم، وغيرها. إلا أن هذه المؤسسات تواجه تحديات جسيمة. فإلى جانب الضغوط السياسية والأمنية، تعاني من ضعف التمويل، ومؤخراً، من شبه انعدام عائدات الإعلانات نتيجة للوضع السياسي والمنافسة من وسائل التواصل الاجتماعي.
تستقطب وسائل الإعلام المستقلة جمهوراً واسعاً يبحث عن معلومات موثوقة لا تخضع لسلطة سياسية أو فصائل فلسطينية. ويشمل هذا الجمهور فئات متنوعة، من بينها الشباب، الذين يشكلون الشريحة الأكبر في المجتمع، والناشطون والمهتمون بالشؤون العامة، فضلاً عن عامة الناس الباحثين عن سردية مستقلة.
التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
تشهد فلسطين نشاطاً متزايداً في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية لتعزيز التفكير النقدي والتحقق من الحقائق، لا سيما في ظل انتشار المعلومات المضللة. تقود مؤسسات مثل مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، ومنظمة اليونسكو في فلسطين، ومنظمة بيالارا، وجامعة القدس المفتوحة، ووزارة التربية والتعليم، على سبيل المثال لا الحصر، برامجَ ومبادراتٍ تدريبيةً شاملةً تستهدف الطلاب والمعلمين، وتركز على الثقافة الرقمية، ومكافحة خطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني، والتحقق من الأخبار المنتشرة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لحماية الوعي الاجتماعي والوطني.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحدياتٌ عديدةٌ تواجه التربية الإعلامية والمعلوماتية في فلسطين؛ منها: نقص الوعي المؤسسي بأهمية الثقافة الإعلامية والمعلوماتية، وضعف الكوادر المؤهلة لتطبيقها، ونقص الموارد المادية والتكنولوجية اللازمة، وتأثير الظروف السياسية والاقتصادية على تطوير التعليم في هذا المجال.
النوع الاجتماعي والإعلام
يُعدّ النوع الاجتماعي جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الفلسطيني، سواءً من حيث تمثيل المرأة في غرف الأخبار أو طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه. تُغطي وسائل الإعلام الفلسطينية قضايا المرأة على نطاق واسع، ولكن ضمن سياق اجتماعي سياسي شديد التعقيد، حيث تتشابك قضايا النوع الاجتماعي مع الاحتلال والحرب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ولا تتسم هذه التغطية بالتجانس، إذ تتراوح بين تسليط الضوء على دور المرأة في النضال والمجتمع، والتركيز على معاناتها اليومية، وتقديم نقد محدود للبنى الاجتماعية. وإلى جانب القضايا المتعلقة بالاحتلال، تُغطي وسائل الإعلام الفلسطينية قضايا المرأة المتعلقة بالعنف الأسري، والتمييز في سوق العمل، والزواج المبكر، ودور المرأة في السياسة والمجتمع. إلا أن هذه القضايا غالبًا ما تتراجع أمام التغطية السياسية. ومع ذلك، تتأثر بعض التغطيات الإعلامية بالصور النمطية التي تُصوّر المرأة غالبًا كضحية أو شخصية ثانوية، بدلًا من إبراز دورها المحوري في الحياة السياسية والاجتماعية.
شهدت السنوات الأخيرة بروز مبادرات إعلامية فلسطينية تسعى إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، سواء من خلال إنتاج محتوى يُسلط الضوء على قضايا المرأة، أو من خلال تدريب وتمكين الصحفيات الشابات في المجال الرقمي. كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا هامًا في منح المرأة مساحة أوسع للتعبير عن آرائها وتحدي الروايات التقليدية. مع ذلك، يبقى تحقيق إعلام فلسطيني أكثر مراعاةً للنوع الاجتماعي مرهونًا بإصلاحات مؤسسية، ووضع سياسات تحريرية عادلة، وتغيير ثقافي أعمق في المجتمع.
تغطية القضايا البيئية
لا تحظى القضايا البيئية في فلسطين عمومًا باهتمام إعلامي يُذكر إلا إذا رُبطت مباشرةً بالصراع مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، نُشرت تقارير عديدة حول الآثار البيئية للنفايات الكيميائية من مستوطنات الضفة الغربية التي تتدفق إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية، أو آثار بناء إسرائيل لجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية. خلال حرب غزة، نُشرت بعض التقارير حول الآثار البيئية للحرب. ويعود هذا الإهمال للقضايا البيئية إلى انشغال وسائل الإعلام الفلسطينية بالأحداث المتسارعة وتركيزها على الأخبار العاجلة والقضايا المتعلقة بالاحتلال. عادةً ما تتولى منظمات المجتمع المدني المتخصصة، مثل معهد البحوث التطبيقية ومركز معا للتنمية، بالإضافة إلى هيئة جودة البيئة الفلسطينية، مناقشة القضايا البيئية في وسائل الإعلام. إضافةً إلى ذلك، كانت هناك بعض المبادرات. ففي عام 2022، أطلقت هيئة جودة البيئة الفلسطينية ومركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت برنامجًا تدريبيًا للصحفيين البيئيين الشباب، نفذته منظمة ريفولف ميديتيرانيو بتمويل من وكالة حماية البيئة السويدية، وشارك فيه 25 طالبًا وطالبة من 6 جامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة: فلسطين، بيرزيت، الأقصى، الخليل، النجاح، وجامعة القدس المفتوحة. قدّموا مواد صحفية مرئية ومكتوبة تناولت مواضيع بيئية متنوعة.
تغطية موضوع الهجرة
ترتبط تغطية الهجرة والنزوح في الإعلام الفلسطيني ارتباطًا وثيقًا بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه الفلسطينيون داخل فلسطين وفي الشتات. تُعدّ قضية الهجرة جزءًا لا يتجزأ من الصراع نفسه. ولذلك، يتناول الإعلام الفلسطيني هذه القضية على ثلاثة مستويات: النزوح الداخلي الناتج عن الحروب والعدوان الإسرائيلي؛ والهجرة الخارجية بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية؛ والنزوح التاريخي منذ عام ١٩٤٨، وما يرتبط به من سرديات وحقوق.
يركز الإعلام الفلسطيني على البُعد الإنساني، مُسلطًا الضوء على معاناة العائلات المُهجّرة، وفقدان المنازل وسبل العيش، والتشرد، مع إعطاء اهتمام خاص للأطفال والنساء وكبار السن. وعلى الصعيد السياسي، يُشدد على العلاقة بين النزوح والسياسات الإسرائيلية كالتهجير القسري والعقاب الجماعي. كما يُبرز دور المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، عارضًا الرواية الفلسطينية في مقابل الرواية الإسرائيلية. على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، تركز وسائل الإعلام الفلسطينية على قضايا مثل الفقر، وسوق العمل، والبطالة، ونقص الخدمات والبنية التحتية في مخيمات اللاجئين، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في الشتات الفلسطيني، لا سيما وضع اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن. وفي بعض الأحيان، تسلط وسائل الإعلام الفلسطينية الضوء على قصص النجاح والاندماج في أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها من دول اللجوء.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
لا تزال فلسطين تتقدم ببطء نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وذلك بسبب غياب استراتيجية واضحة للمبادئ التوجيهية الأخلاقية، ونقص الكوادر المؤهلة والخبرات في التقنيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. ومن بين المبادرات التي تسعى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، دراسة أعدها مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، بتمويل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بعنوان “كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في الصحافة والتعليم الإعلامي؟”، نظراً لتزايد الحاجة إليه في صناعة الإعلام.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقدت الرابطة العالمية للناشرين وصناع الأخبار (WAN IFRA) اجتماعًا مع رؤساء تحرير وسائل الإعلام الفلسطينية لمناقشة سبل دمج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، بما يضمن أن يكون شريكًا للصحفيين لا بديلًا عنهم.
ورغم أن إنتاج المحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون محدودًا نسبيًا، إلا أن المؤسسات الإعلامية الفلسطينية تستخدمه في مجالات عديدة، مثل تحليل البيانات الضخمة، وكشف التزييف العميق، وتسريع الترجمة وإنتاج المحتوى. كما يُسهم في رصد الخطاب الإعلامي العالمي حول القضية الفلسطينية وفهم اتجاهاته. مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو التحيز المحتمل في الخوارزميات ونقص الموارد التقنية، مما يجعل تطوير أدوات فلسطينية مستقلة خطوة حاسمة لتعزيز حضور الرواية الفلسطينية في الفضاء الرقمي.
فلسطين
مؤشر مراسلون بلا حدود (الأحدث): ١٦٣
مؤشر فريدوم هاوس: قطاع غزة ٢/١٠٠، الضفة الغربية ٢٢/١٠٠
مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): غير متوفر
١ . حرية التعبير
أثرت الحرب في غزة والتصعيد الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية على حرية التعبير، ليس فقط من خلال الاستهداف المتعمد للصحفيين، بل أيضاً على حرية التعبير بشكل عام. وتتمثل القضية الرئيسية المقلقة فيما يتعلق بحرية التعبير في الاستقطاب بين من يعتقدون أن أحداث ٧ أكتوبر/تشرين الأول أسفرت عن كارثة للفلسطينيين، ومن يقولون إن إسرائيل لم تكن تبحث عن ذريعة لتدمير قطاع غزة أو الاستمرار في التعليق على الجرائم في الضفة الغربية. وينطبق هذا أيضاً على منتقدي حماس الذين وُصفوا بـ”الخونة” أو “المتآمرين”، بل واتُهموا بـ”التعاون” مع إسرائيل.
بحسب دراسة أجراها المركز الفلسطيني للتنمية وحرية الإعلام (مدى)، يُعدّ التشهير من أكثر الأساليب شيوعًا التي يواجهها الصحفيون، حيث تعرّض 55.6% منهم لحملات منظمة عبر المنصات الرقمية لتشويه سمعتهم، يليه القرصنة وسرقة البيانات بنسبة 48.1%، ثم المراقبة الإلكترونية بنسبة 46.3%، بالإضافة إلى أشكال أخرى من العنف الرقمي كالمضايقات الرقمية والتهديدات والتنمر وخطاب الكراهية وسرقة الهوية.
ولا تزال شركات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا في انتهاك حرية التعبير في فلسطين. ووفقًا لتقرير حملة الصادر في ديسمبر 2025، “تم توثيق 7 انتهاكات تتعلق بتقييد الحسابات، إلى جانب 6 حالات حذف محتوى، و3 حالات تعليق حسابات، وحالتين من الحظر الخفي، بينما توزعت 5 حالات أخرى على أنواع مختلفة من العقوبات الرقمية”.
٢. القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
لم تشهد قوانين الإعلام في فلسطين أي تغييرات جوهرية. لا يزال قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية مصدر قلق بالغ لصناع القرار والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني. عقب الاعتراضات العديدة التي جاءت على القانون، قرر مجلس الوزراء الفلسطيني في 30 أبريل/نيسان 2025 تشكيل لجنة وطنية لتعديل المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتقنية المعلومات، وتعديلاته. وتضم اللجنة ممثلين عن وزارة العدل، ووزارة الداخلية، والنيابة العامة، ووزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومنظمات المجتمع المدني. وتهدف اللجنة إلى مراجعة الاعتراضات وتقديم توصياتها إلى الحكومة.
أما فيما يتعلق بقانون الحق في الحصول على المعلومات، فقد نشرت وزارة العدل مسودة مرسوم متعلقة بهذا القانون في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أثارت جدلاً واسعاً حوله. اعتبر البعض النسخة الأخيرة تحسينًا على المسودات السابقة، لكنها لا تزال بحاجة إلى معالجة العديد من القضايا الجوهرية، أبرزها توسيع نطاق الاستثناءات الأمنية والاقتصادية، وغياب أحكام واضحة تضمن مواءمة التشريعات، مما يجعل قانون الحق في الحصول على المعلومات المرجع الأعلى في حال نشوب أي نزاع. مع ذلك، يرى مؤيدو القانون أنه ركيزة أساسية لتعزيز النزاهة ومنع الفساد، نظرًا لتحديد الاستثناءات بدقة.
٣. التعددية
على الرغم من كثرة وسائل الإعلام في فلسطين، إلا أن الإعلام لا يزال يعاني من تعددية سطحية ومصطنعة نتيجة محدودية التنوع والابتكار والتجديد في المحتوى والبرامج. فمعظم البرامج التلفزيونية والإذاعية، على سبيل المثال، تتبع النمط نفسه، إذ أصبحت نخبوية، حيث يقتصر النقاش فيها على المحللين والسياسيين والأكاديميين لمناقشة الشؤون العامة، بينما نادرًا ما يُمثَّل المواطنون العاديون. وقد تحولت العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية المحلية إلى أدوات دعائية للأحزاب السياسية، لا سيما مع الحرب على غزة. وإلى جانب غياب التنوع في العرض، يبرز بشكل خاص غياب الصحافة الاستقصائية، باستثناء بعض المحاولات النادرة.
علاوة على ذلك، فشلت وسائل الإعلام الفلسطينية في أداء دورها الرقابي على السلطة السياسية. فقد عجزت الصحافة المطبوعة عن مواكبة التطورات التكنولوجية في المشهد الإعلامي الرقمي الجديد، ولم تتمكن من التكيف مع الهيكل التنظيمي المتغير وعلاقتها بالجمهور الشاب. وقد ساهم ذلك في تراجع نسبة القراءة بين الشباب الفلسطيني. كما تعاني وسائل الإعلام المطبوعة من أزمة هيكلية عميقة على جميع المستويات، من التوزيع إلى هيئات التحرير. وقد أتاح هذا السياق بروز وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك، الأمر الذي ولّد خيبة أمل لدى الرأي العام الفلسطيني تجاه الديمقراطية وتنوع وسائل الإعلام.
٤. الرقابة والرقابة الذاتية
في فلسطين، لا توجد رقابة مسبقة على المنشورات، بل رقابة لاحقة، تفرضها إسرائيل بشكل رئيسي، بالإضافة إلى النظام السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن الرقابة الاجتماعية التي تمارسها الشركات والمعلنون. وقد أدى هذا إلى قيام سائل الإعلام والصحفيون بفرض رقابة ذاتية أو “رقابة مسبقة” على مواضيع تشمل قضايا حساسة، أو محظورة، أو انتقادات سياسية، أو قضايا تتعلق بالفساد. وإلى جانب أشكال الرقابة التقليدية، يتعرض الصحفيون والناشطون الفلسطينيون لتهديدات وانتهاكات رقمية. ووفقًا لدراسة أجراها المركز الفلسطيني للتنمية وحرية الإعلام (مدى)، يستخدم الاحتلال الإسرائيلي والسلطات في الضفة الغربية وقطاع غزة أدوات رقمية لمراقبة المحتوى، وحجب الحسابات، أو استدعاء الصحفيين بناءً على نشاطهم على الإنترنت.
٥. التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
كشفت دراسة نشرها المرصد الفلسطيني للتحقق من الحقائق والتثقيف الإعلامي (تحقيق) أن المحتوى المضلل (47.25%) هيمن على المشهد الرقمي الفلسطيني خلال شهري فبراير ومارس 2025، يليه المحتوى الكاذب بنسبة 44.44%، ثم المحتوى الضار بنسبة 8.31%. وتعكس النسبة المرتفعة للمحتوى الكاذب حجم التداخل الكبير في المشهد المعلوماتي الفلسطيني، حيث تنتشر الأخطاء في سياقات يمكن إساءة تفسيرها أو استغلالها. وغالبًا ما يُعزى هذا النوع من المحتوى إلى إعادة تداول مواد قديمة، أو نقص المعرفة، أو ضعف مهارات التحرير، وليس بالضرورة إلى تلاعب مباشر.
كما كشفت الدراسة عن هيمنة واضحة للمصادر الفردية على المشهد المعلوماتي، إذ ساهمت صفحات الأفراد والمستخدمين العاديين بالحصة الأكبر من المحتوى المضلِّل والكاذب. ويُعزى ذلك إلى محدودية الوعي المعلوماتي لدى الجمهور، إضافةً إلى التأثير العاطفي الكبير خلال الأزمات، مما يؤدي إلى تداول المعلومات دون التحقق منها .أما المنصات الإخبارية، فتتضاعف خطورتها لأنها تُضفي على المعلومات المضلِّلة مظهرًا من المصداقية الرسمية، مما يسهم في انتشارها بشكل أوسع، خاصةً عند اقتباسها أو إعادة نشرها عبر منصات أخرى مرتبطة بجهات ذات توجهات سياسية.
وتُعدّ المعلومات المضللة والمغلوطة جزءًا من الحرب على غزة. وقد انتشر جزء كبير من هذا المحتوى على نطاق واسع عبر الإنترنت، حيث تداولت عشرات الملايين من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وساهمت مصادر متنوعة، من بينها مسؤولون حكوميون، ووسائل إعلام، ومؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف البلدان، في نشر هذه المعلومات المضللة والمغلوطة. تلعت العديد من المؤسسات الفلسطينية دوراً محوريا في مكافحة المعلومات المضللة والمغلوطة، وأبرزها “حملة” و”تحقيق” و”كاشف”. كما تلعب بعض وسائل الإعلام دوراً بارزاً في دحض الروايات المضللة من خلال الصحافة الاستقصائية، وذلك بتوفير تقارير موثقة تُسهم في مواجهة المعلومات المضللة المنتشرة على نطاق واسع حول فلسطين.
٦. الحق في الحصول على المعلومات
يُهيئ غياب قانون الحق في الحصول على المعلومات في فلسطين بيئة خصبة لانتشار الشائعات والأخبار الملفقة والمعلومات المضللة. ويلجأ الباحثون عن المعلومات، الذين لا يجدونها عبر القنوات الرسمية والوسائل القانونية، إلى أساليب بديلة، قد تُفضي إلى معلومات دقيقة، أو شائعات، أو معلومات مُشوَّهة، أو حتى معلومات ملفقة. وقد عاد النقاش الوطني حول قانون الحق في الحصول على المعلومات إلى الواجهة بعد نشر مسودة القانون لعام 2025، والتي طُرحت لأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا ولم تُقرّ. وتكمن المشكلة الأبرز في مسودة 2025 في استثناءاتها الفضفاضة المتعلقة بمفاهيم واسعة النطاق مثل “الأمن القومي” و”الاقتصاد الوطني” و”المصلحة العامة”. قد تُستخدم هذه المصطلحات لحرمان المواطنين من الوصول إلى المعلومات إذا لم تُحدد بوضوح. علاوة على ذلك، يُعطي مشروع القانون الأولوية لقوانين أخرى ذات طبيعة سرية أو أمنية في حالات النزاع، مما قد يُفقد القانون الجديد فعاليته. (انظر القسم 2: قوانين الإعلام.
٧. أمن الصحفيين
على الرغم من وقف إطلاق النار في غزة، تواصل إسرائيل استهداف الصحفيين. ففي 21 يناير/كانون الثاني 2026، أسفرت غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة على مركبة في وسط غزة عن مقتل المصور الصحفي المستقل عبد الرؤوف شعث، وهو مراسل يعمل بانتظام مع وكالة فرانس برس، ومحمد قشطة، المتحدث باسم اللجنة المصرية الذي كان ينشر الأخبار عبر حسابه على تطبيق تيليجرام، وأنس غنيم، المصور الصحفي المستقل ومُشغل الطائرات المسيرة الذي كان يعمل لدى سمارت ميديا. وجاء الهجوم أثناء قيام الصحفيين الثلاثة بمهمة لصالح اللجنة المصرية.
ولا تزال الضفة الغربية بيئة معادية للصحفيين. ولا تقتصر الهجمات على الصحفيين على الجنود الإسرائيليين فحسب، بل تشمل أيضاً المستوطنين الإسرائيليين. أظهرت مقاطع الفيديو، في مناسبات عديدة، استهدافًا مباشرًا ومتعمدًا للصحفيين من قبل جنود إسرائيليين، سواءً بالاعتداء الجسدي أو بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، وفي بعض الحالات استُخدمت الذخيرة الحية.
كما هاجم مستوطنون إسرائيليون، غالبًا ما يكونون تحت حراسة الجنود، صحفيين وصحافيات. وكان أبرز هذه الاعتداءات الهجوم على المصورة الصحفية رنين صوافطة، التي نجت من الموت بعد تعرضها للضرب المبرح على يد مستوطنين في قرية بيتا شمال الضفة الغربية. وكانت صوافطة برفقة مستشار الأمن في رويترز، جرانْت باودن الذي تعرض للضرب أثناء محاولته حمايتها.
٨. آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
في ظل تعقيدات السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تبقى نماذج أعمال الإعلام في فلسطين على حالها. ويُعدّ التمويل من الجهات المانحة، الذي يعتمد على المشاريع المدعومة من جهات مانحة دولية، أبرزها. إلا أن هذا المصدر لم يعد متوفر بسبب نقص التمويل في الأصل. أما النموذج الآخر فهو الإعلان، وهو محدود وغير منتظم نظرًا لصغر حجم السوق، والقيود السياسية والاقتصادية، فضلًا عن المنافسة مع إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي. وتتبنى معظم وسائل الإعلام نموذجًا هجينًا يجمع بين التمويل من الجهات المانحة والإعلان والخدمات التجارية.
٩. الإعلام المستقل: الوضع العام والتحديات
يمثل الإعلام المستقل في فلسطين مساحة نادرة للتعبير الحر وسط بيئة سياسية معقدة وضغوط أمنية واقتصادية هائلة. ويعمل الصحفيون المستقلون في ظروف استثنائية، إذ يواجهون قيودًا يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الاعتقالات والمضايقات وحظر التغطية، فضلًا عن تحديات داخلية تتعلق بالانقسام والاستقطاب السياسي. من أبرز هذه المؤسسات الإعلامية وكالة معا للأنباء، وشبكة وطن الإعلامية، وشبكة فلسطين الإعلامية، وإذاعة نساء إف إم، وشبكة أجيال، وإذاعة 24 إف إم، وإذاعة شباب إف إم، وغيرها. إلا أن هذه المؤسسات تواجه تحديات جسيمة. فإلى جانب الضغوط السياسية والأمنية، تعاني من ضعف التمويل، ومؤخراً، من شبه انعدام عائدات الإعلانات نتيجة للوضع السياسي والمنافسة من وسائل التواصل الاجتماعي.
تستقطب وسائل الإعلام المستقلة جمهوراً واسعاً يبحث عن معلومات موثوقة لا تخضع لسلطة سياسية أو فصائل فلسطينية. ويشمل هذا الجمهور فئات متنوعة، من بينها الشباب، الذين يشكلون الشريحة الأكبر في المجتمع، والناشطون والمهتمون بالشؤون العامة، فضلاً عن عامة الناس الباحثين عن سردية مستقلة.
١٠. التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
تشهد فلسطين نشاطاً متزايداً في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية لتعزيز التفكير النقدي والتحقق من الحقائق، لا سيما في ظل انتشار المعلومات المضللة. تقود مؤسسات مثل مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، ومنظمة اليونسكو في فلسطين، ومنظمة بيالارا، وجامعة القدس المفتوحة، ووزارة التربية والتعليم، على سبيل المثال لا الحصر، برامجَ ومبادراتٍ تدريبيةً شاملةً تستهدف الطلاب والمعلمين، وتركز على الثقافة الرقمية، ومكافحة خطاب الكراهية والتنمر الإلكتروني، والتحقق من الأخبار المنتشرة، وذلك في إطار الجهود المبذولة لحماية الوعي الاجتماعي والوطني.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحدياتٌ عديدةٌ تواجه التربية الإعلامية والمعلوماتية في فلسطين؛ منها: نقص الوعي المؤسسي بأهمية الثقافة الإعلامية والمعلوماتية، وضعف الكوادر المؤهلة لتطبيقها، ونقص الموارد المادية والتكنولوجية اللازمة، وتأثير الظروف السياسية والاقتصادية على تطوير التعليم في هذا المجال.
11. النوع الاجتماعي والإعلام
يُعدّ النوع الاجتماعي جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الفلسطيني، سواءً من حيث تمثيل المرأة في غرف الأخبار أو طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه. تُغطي وسائل الإعلام الفلسطينية قضايا المرأة على نطاق واسع، ولكن ضمن سياق اجتماعي سياسي شديد التعقيد، حيث تتشابك قضايا النوع الاجتماعي مع الاحتلال والحرب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ولا تتسم هذه التغطية بالتجانس، إذ تتراوح بين تسليط الضوء على دور المرأة في النضال والمجتمع، والتركيز على معاناتها اليومية، وتقديم نقد محدود للبنى الاجتماعية. وإلى جانب القضايا المتعلقة بالاحتلال، تُغطي وسائل الإعلام الفلسطينية قضايا المرأة المتعلقة بالعنف الأسري، والتمييز في سوق العمل، والزواج المبكر، ودور المرأة في السياسة والمجتمع. إلا أن هذه القضايا غالبًا ما تتراجع أمام التغطية السياسية. ومع ذلك، تتأثر بعض التغطيات الإعلامية بالصور النمطية التي تُصوّر المرأة غالبًا كضحية أو شخصية ثانوية، بدلًا من إبراز دورها المحوري في الحياة السياسية والاجتماعية.
شهدت السنوات الأخيرة بروز مبادرات إعلامية فلسطينية تسعى إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، سواء من خلال إنتاج محتوى يُسلط الضوء على قضايا المرأة، أو من خلال تدريب وتمكين الصحفيات الشابات في المجال الرقمي. كما لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا هامًا في منح المرأة مساحة أوسع للتعبير عن آرائها وتحدي الروايات التقليدية. مع ذلك، يبقى تحقيق إعلام فلسطيني أكثر مراعاةً للنوع الاجتماعي مرهونًا بإصلاحات مؤسسية، ووضع سياسات تحريرية عادلة، وتغيير ثقافي أعمق في المجتمع.
١٢. تغطية القضايا البيئية
لا تحظى القضايا البيئية في فلسطين عمومًا باهتمام إعلامي يُذكر إلا إذا رُبطت مباشرةً بالصراع مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، نُشرت تقارير عديدة حول الآثار البيئية للنفايات الكيميائية من مستوطنات الضفة الغربية التي تتدفق إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية، أو آثار بناء إسرائيل لجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية. خلال حرب غزة، نُشرت بعض التقارير حول الآثار البيئية للحرب. ويعود هذا الإهمال للقضايا البيئية إلى انشغال وسائل الإعلام الفلسطينية بالأحداث المتسارعة وتركيزها على الأخبار العاجلة والقضايا المتعلقة بالاحتلال. عادةً ما تتولى منظمات المجتمع المدني المتخصصة، مثل معهد البحوث التطبيقية ومركز معا للتنمية، بالإضافة إلى هيئة جودة البيئة الفلسطينية، مناقشة القضايا البيئية في وسائل الإعلام. إضافةً إلى ذلك، كانت هناك بعض المبادرات. ففي عام 2022، أطلقت هيئة جودة البيئة الفلسطينية ومركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت برنامجًا تدريبيًا للصحفيين البيئيين الشباب، نفذته منظمة ريفولف ميديتيرانيو بتمويل من وكالة حماية البيئة السويدية، وشارك فيه 25 طالبًا وطالبة من 6 جامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة: فلسطين، بيرزيت، الأقصى، الخليل، النجاح، وجامعة القدس المفتوحة. قدّموا مواد صحفية مرئية ومكتوبة تناولت مواضيع بيئية متنوعة.
١٣. تغطية موضوع الهجرة
ترتبط تغطية الهجرة والنزوح في الإعلام الفلسطيني ارتباطًا وثيقًا بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه الفلسطينيون داخل فلسطين وفي الشتات. تُعدّ قضية الهجرة جزءًا لا يتجزأ من الصراع نفسه. ولذلك، يتناول الإعلام الفلسطيني هذه القضية على ثلاثة مستويات: النزوح الداخلي الناتج عن الحروب والعدوان الإسرائيلي؛ والهجرة الخارجية بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية؛ والنزوح التاريخي منذ عام ١٩٤٨، وما يرتبط به من سرديات وحقوق.
يركز الإعلام الفلسطيني على البُعد الإنساني، مُسلطًا الضوء على معاناة العائلات المُهجّرة، وفقدان المنازل وسبل العيش، والتشرد، مع إعطاء اهتمام خاص للأطفال والنساء وكبار السن. وعلى الصعيد السياسي، يُشدد على العلاقة بين النزوح والسياسات الإسرائيلية كالتهجير القسري والعقاب الجماعي. كما يُبرز دور المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، عارضًا الرواية الفلسطينية في مقابل الرواية الإسرائيلية. على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، تركز وسائل الإعلام الفلسطينية على قضايا مثل الفقر، وسوق العمل، والبطالة، ونقص الخدمات والبنية التحتية في مخيمات اللاجئين، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في الشتات الفلسطيني، لا سيما وضع اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن. وفي بعض الأحيان، تسلط وسائل الإعلام الفلسطينية الضوء على قصص النجاح والاندماج في أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها من دول اللجوء.
14. تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
لا تزال فلسطين تتقدم ببطء نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وذلك بسبب غياب استراتيجية واضحة للمبادئ التوجيهية الأخلاقية، ونقص الكوادر المؤهلة والخبرات في التقنيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. ومن بين المبادرات التي تسعى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، دراسة أعدها مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت، بتمويل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بعنوان “كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في الصحافة والتعليم الإعلامي؟”، نظراً لتزايد الحاجة إليه في صناعة الإعلام.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عقدت الرابطة العالمية للناشرين وصناع الأخبار (WAN IFRA) اجتماعًا مع رؤساء تحرير وسائل الإعلام الفلسطينية لمناقشة سبل دمج الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، بما يضمن أن يكون شريكًا للصحفيين لا بديلًا عنهم.
ورغم أن إنتاج المحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يكون محدودًا نسبيًا، إلا أن المؤسسات الإعلامية الفلسطينية تستخدمه في مجالات عديدة، مثل تحليل البيانات الضخمة، وكشف التزييف العميق، وتسريع الترجمة وإنتاج المحتوى. كما يُسهم في رصد الخطاب الإعلامي العالمي حول القضية الفلسطينية وفهم اتجاهاته. مع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو التحيز المحتمل في الخوارزميات ونقص الموارد التقنية، مما يجعل تطوير أدوات فلسطينية مستقلة خطوة حاسمة لتعزيز حضور الرواية الفلسطينية في الفضاء الرقمي.
الأردن
مؤشر مراسلون بلا حدود: 147 من أصل 180 دولة.
مؤشر فريدوم هاوس (Freedom House) : الحرية العامة 34/100 – حرية الإنترنت47/100
انتقل تصنيف الأردن من "غير حر" إلى "حر جزئياً " نتيجة إصلاح النظام الانتخابي الذي أتاح تمثيلاً أوسع للأحزاب السياسية، غير أن قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 استُخدم لتقييد حرية التعبير، ولا سيما خلال المظاهرات المؤيدة لفلسطين في عامي 2023 و2024، كما استُخدم ضد نشطاء مجتمع الميم (LGBTI+).
يواجه الصحفيون والناشطون الذين يحاولون التحقيق في الشؤون المالية للدولة خطر الاعتقال أو الملاحقة بتهم التشهير. فمن الصعب الحصول على المعلومات من المسؤولين والشخصيات السياسية الذين لا يعلنون عادةً عن دخلهم أو ممتلكاتهم، كما لا يمارس مجلس الأمة دوراً مستقلاً في مناقشة موازنة الحكومة.
كما تعرّض صحفيون وأفراد من عائلاتهم لتهديدات بفقدان وظائفهم، وأفادت تقارير بأن السلطات استخدمت برنامج التجسس Pegasus لمراقبة عدد من الصحفيين.
مؤشر مدركات الفساد (منظمة الشفافية الدولية ) استناداً إلى بيانات عام 2024 : حصل الأردن على 49 من أصل 100 نقطة. وبالمقارنة، كان تقييمه في العام السابق 59/100.
حرية التعبير
منذ نهاية عام 2023، عبّر المواطنون والصحفيون عن قلق بالغ مع تطورات الأوضاع الإقليمية، وظهر ذلك أولاً عبر المظاهرات. إلا أن السلطات سارعت إلى تقييدها، حيث اقتصرت المظاهرات على منطقة وسط البلد ومُنعت تنظيمها أمام السفارتين الأمريكية والإسرائيلية. ومنذ منتصف عام 2025، حُظرت جميع المظاهرات.
لفهم موقف السلطات والمجتمع، لا بد من التذكير بأن الأردن يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الأمريكية والأوروبية، التي ترتبط بدوره كمنطقة عازلة في المنطقة، وكذلك بدوره في استضافة اللاجئين من سوريا والعراق والسودان وغيرهم. وقد انعكس تعليق جزء من المساعدات الأمريكية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بصورة سلبية على الاقتصاد الأردني، وساهم في تسارع هجرة الكفاءات.
على مدار التاريخ، كان المجتمع الأردني يضم أعداداً كبيرة من اللاجئين الذين فروا من الحروب أو الدكتاتوريات أو الإبادة الجماعية، ومنهم الفلسطينيون والسوريون والعراقيون والسودانيون والشركس والشيشان، والأرمن واليمنيون وغيرهم. وقد أدى هذا الواقع إلى ترسيخ شعور جماعي بأن الاستقرار أولوية قصوى، بحيث يكفي أي ضغط أمني لإحياء الصدمات السابقة ودفع كثيرين إلى تجنب الاحتجاج أو المعارضة. وفي هذا السياق أصبحت الرقابة الذاتية وسيلة منطقية للبقاء.
قانون الجرائم الإلكترونية والرقابة الذاتية
صدر أول قانون للجرائم الإلكترونية عام 2015، وكان يُفترض أن يوفّر إطاراً قانونياً للإعلام في ظل انتشار المنصات الرقمية. إلا أن تطبيقه اتجه تدريجياً نحو الحد من حرية الصحافة بدلاً من حمايتها.
ومنذ ذلك التاريخ، طُرحت تعديلات متتالية زادت من القيود المفروضة على حرية التعبير، في وقت باتت فيه السلطات تعتبر أن أي نقد قد يشكل تهديداً للاستقرار الوطني، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية.
ويقوم القانون عملياً على وجود "خطوط حمراء" غير محددة بدقة، بينما تمتلك الجهات الرقابية صلاحية تقرير ما إذا كان شخص ما قد تجاوزها. وتشمل هذه الخطوط موضوعات الدين، والأمن الوطني، وكل ما يتعلق بمؤسسات الحكم أو المسؤولين.
وفي كثير من الحالات، يسبق الاعتقال تحذير غير رسمي، سواء عبر معارف أو من خلال أجهزة المخابرات، مع تهديد الشخص بفقدان عمله أو مكانته الاجتماعية، الأمر الذي يعزز ثقافة الصمت والرقابة الذاتية.
ورغم أن فترات التوقيف غالباً ما تكون قصيرة، فإن قيمة الكفالات المطلوبة للإفراج قد تتراوح بين5,000 و20,000 دينار أردني، في حين يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 350 ديناراً، وهو ما يجعل الكفالة وسيلة ردع فعالة.
أما المؤسسات الإعلامية، فإذا نشرت مواد تتناول موضوعات تعتبر حساسة، فقد تتعرض للحجب أو الإغلاق.
ومن الأمثلة على ذلك، قيام السلطات في أبريل/نيسان 2025 بحجب 12 موقعاً إخبارياًبعد نشر تقارير تفيد بأن الأردن كان يتلقى مقابلاً مالياً مقابل كل عملية إنزال مساعدات إنسانية إلى غزة. وشملت المواقع المحجوبة: ميدل إيست آي، ومجلة ميم، ورصيف22، وعربي21، وعربي بوست، وشبكة رصد الإخبارية، وقناة الشعوب، وصوت الأردن، وعمّان نت وغيرها. كما مُنع مراسلو هذه المنصات داخل الأردن من الوصول إلى المعلومات أو إجراء مقابلات مع المسؤولين.
قوانين الإعلام والتطورات الأخيرة
بدايات قانون الجرائم الإلكترونية
دخل القانون حيز التنفيذ لأول مرة عام 2015.
وفي عام 2017، اقترحت الحكومة تعديلات هدفت إلى تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى نشطاء حقوق الإنسان، من خلال تجريم انتقاد المسؤولين تحت مسمى "خطاب الكراهية"، إلا أن هذه التعديلات رُفضت.
وفي عام 2018 اندلعت احتجاجات واسعة احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وقانون الجرائم الإلكترونية، وشارك فيها عدد كبير من المعلمين، خاصة النساء، وانتهت باستقالة رئيس الوزراء هاني الملقي وتكليف عمر الرزاز بتشكيل الحكومة.
استخدام القانون خلال جائحة كورونا
خلال جائحة كورنا، أتاح تطبيق قانون الدفاع للحكومة إصدار قرارات دون الرجوع إلى البرلمان. فاعتُقل عدد من المعلمين الذين شاركوا في احتجاجات سابقة، واعتُبر نشر أي معلومات عن هذه التحركات تهديداً للأمن الوطني.
كما اعتُقل مدير عام قناة رؤيا ومدير الأخبار بعد بث تقرير تضمن مقابلة مع مواطن قال إن الظروف الاقتصادية دفعته للتفكير في "بيع المخدرات أو السرقة"، واعتُبر ذلك ترويجاً للمخدرات.
وفي مارس/آذار 2021، عقب وفاة 13 مريضاً في مستشفى السلط بسبب انقطاع الأكسجين، طُلب من الصحفيين إزالة المواد المنشورة المتعلقة بالحادثة باعتبارها تمس الأمن الوطني.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، حُجب تطبيق TikTokعقب احتجاجات محافظة معان، كما حُجب موقع الأخبار الساخر الحدود في يوليو/تموز 2023.
قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023
أُقر القانون الجديد في سبتمبر/أيلول 2023، ويتضمن نحو أربعين مادة، وكان الهدف المعلن منه مكافحة الابتزاز الإلكتروني وحماية الأطفال.
إلا أن المادتين 15 و17 تجرّمان الانتقاد الذي قد يُعتبر تشهيراً أو قدحاً أو نشر أخبار كاذبة، دون تعريف واضح لهذه المفاهيم. وبعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُخدم القانون على نطاق واسع ضد الصحفيين والناشطين وحتى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين نشروا آراء اعتُبرت مخالفة.
وقد يؤدي أيضاً انتقاد دولة تربطها علاقات دبلوماسية بالأردن إلى الملاحقة القانونية، كما حدث مع رسام الكاريكاتير عماد حجاج عام 2020.
وفيديسمبر/كانون الأول 2025 اعتُقل الصحفي محمد فرج، مراسل قناة الميادين، فور وصوله إلى مطار عمّان، ولم يُفرج عنه إلا بعد عشرين يوماً. ووفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، يُعتقد أن اعتقاله جاء بسبب انتقاداته للسياسة الأمريكية.
تشديد الإجراءات خلال عام 2025
شهد عام 2025 مزيداً من التضييق على وسائل الإعلام، حيث استُخدم القانون عبر نقابة الصحفيين الأردنيين لمنع الصحفيين المستقلين وغير الحاصلين على عضوية النقابة من ممارسة العمل الصحفي.
وأدى ذلك إلى ازدياد الرقابة الذاتية، إذ أصبح كثير من الصحفيين يسعون إلى حذف التعليقات من صفحاتهم أو البحث عن وسائل للنشر المجهول وإخفاء هوياتهم الرقمية.
ومع ذلك، يشير بعض المختصين بالأمن السيبراني إلى أن الاعتقاد السائد بشأن المراقبة الشاملة قد يكون مبالغاً فيه نسبياً، رغم استمرار الحكومة فيتقديم طلبات للحصول على بيانات المستخدمين من شركة Meta.
التعددية الإعلامية
يتقلص هامش حرية التعبير في الوقت الذي تتراجع فيه أهمية وسائل الإعلام التقليدية. في وقت يعتمد 63٪ من الشباب الأردنيين الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار.
كما تزايدت منذ أواخر 2023 الانتقادات الموجهة إلى وسائل الإعلام الغربية بسبب تغطيتها للحرب في غزة، ويستغل بعض المسؤولين هذه الانتقادات لتبرير تشديد القيود على حرية التعبير، بحجة حماية المجتمع من التأثيرات الخارجية.
في المقابل، ما يزال الخطاب الساخر والكوميديا يشكلان إحدى الوسائل القليلة التي تسمح بتمرير رسائل نقدية، رغم أن بعض الكوميديين تعرضوا بدورهم للملاحقة.
ومن جهة أخرى، ازدادت التغطيات المتعلقة بالبيئة أو قضايا النوع الاجتماعي بفضل التمويل الذي توفره المؤسسات الدولية، إلا أن الصحفيين العاملين في هذه المشاريع كثيراً ما يُتهمون بأنهم يعملون وفق "أجندات أجنبية"، وهو ما يخلق استقطاباً داخل الوسط الإعلامي.
الرقابة والرقابة الذاتية
تواجه وسائل الإعلام الرقمية في الأردن تحديات كبيرة لضمان استمرارها، إذ تعتمد غالباً على:
التمويل الأساسي أو المنح المقدمة من الجهات المانحة.
الدعم العائلي، كما هو الحال في بعض المؤسسات الإعلامية الخاصة.
الإعلانات التجارية.
غير أن الاعتماد على الإعلانات يجعل المؤسسات الإعلامية عرضة لضغوط غير مباشرة، إذ يكفي التواصل مع الشركات المعلنة وتحذيرها من التعامل مع وسيلة إعلامية معينة حتى تفقد مصادر دخلها.
أما الصحفيون المستقلون، وخاصة النساء، فيتعرضون أحياناً لأساليب تهديد غير مباشرة، مثل:
التهديد بنشر شائعات تمس السمعة والشرف، بما قد يعرّض الصحفية لخطر اجتماعي أو حتى جسدي.
التلميح إلى إمكانية استهداف أفراد من الأسرة في وظائفهم أو مصادر رزقهم.
وقد أدت هذه الممارسات إلى انتشار الرقابة الذاتية بشكل واسع، حتى أصبح من النادر أن ينشر صحفي تحقيقاً حول الضغوط التي يتعرض لها زملاؤه.
ولم يُفاجأ الوسط الإعلامي بتراجع الأردن في تصنيف حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود، إلا أن هذا التراجع لم يؤدِ إلى احتجاجات واسعة، بسبب الشعور العام بأن الوضع الجيوسياسي في المنطقة شديد الهشاشة.
وأشار عدد من الصحفيين إلى أن بعض العاملين في وسائل الإعلام الرسمية يرون أن مهمة الصحفي تقتصر على نقل التصريحات الرسمية دون تحليل أو نقد، باعتبار ذلك وسيلة لحماية الدولة. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول طبيعة التعليم الإعلامي في الجامعات، وما إذا كان يُرسخ فهماً لمهنة الصحافة يحد من دورها الرقابي والاستقصائي.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
أشار عدد من الصحفيين المستقلين إلى إضراب المعلمين والاحتجاجات التي رافقته عام 2020 باعتبارها مثالاً بارزاً على التلاعب بالمعلومات. فقد شكّل هذا الإضراب أحد أكبر التحركات الاحتجاجية التي شهدها الأردن، وقادته نقابة المعلمين التي كان ينتمي عدد كبير من أعضائها إلى جماعة الإخوان المسلمين. وقد أثار هذا الحراك مخاوف السلطات، لأنه مثّل للمرة الأولى قوة معارضة منظمة وقادرة على التأثير في الرأي العام.
وعقب ذلك، اعتُقل نحو ألف معلم، ثم جرى حلّ النقابة التي قادت الاحتجاجات.
ومن اللافت أن جماعة الإخوان المسلمين كانت لعقود جزءاً من المشهد السياسي الأردني، رغم معارضتها للنظام. وقد تعاملت السلطات معها بوصفها قوة سياسية قائمة، مع السعي إلى احتوائها نظراً لحضورها الواسع على المستوى الوطني، وهو ما كان يظهر بوضوح خلال الانتخابات البرلمانية، بما في ذلك انتخابات عام 2024.
غير أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة جديدة منذ أبريل/نيسان 2025، عندما صنفت السلطات الأردنية جماعة الإخوان المسلمين «جمعية إرهابية»، في خطوة جاءت متزامنة مع الموقف الذي تبنته وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الجماعة في الأردن ومصر ولبنان.
في الأردن، يُعدّ التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة جزءاً من منظومة الرقابة والرقابة الذاتية. فالموضوعات التي تُعتبر من المحظورات لا تُنشر عادة، بل يجري الالتفاف عليها أو تجنبها. وإذا تجاوزت وسيلة إعلامية ما يُعرف بـ«الخط الأحمر»، تسارع وسائل الإعلام الرسمية إلى تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة المقبولة، دون إفساح المجال للنقاش أو للمراجعة النقدية. وبذلك لا يُنظر إلى التفكير النقدي باعتباره قيمة مهنية، بل كثيراً ما يُعامل بوصفه أمراً غير مرغوب فيه.
وفي المقابل، تعمل شبكة أريح (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) بصورة مستمرة على تنظيم دورات تدريبية للصحفيين بهدف تعزيز قدراتهم على كشف المعلومات المضللة والتحقق منها. ومؤخراً، وبالتعاون مع المعهد النرويجي للصحافة (NIJ)، نظمت الشبكة ورشة تدريبية بعنوان "التصدي للتضليل الرقمي باستخدام أدوات التحقق المعززة بالذكاء الاصطناعي".
الحق في الحصول على المعلومات
يمتلك الأردن قانوناً يكفل حق الحصول على المعلومات، لا يقتصر على الصحفيين فحسب، بل يشمل جميع المواطنين. وقد صدر هذا القانون عام 2007، ثم أُدخلت عليه تعديلات في عام 2024. ويمنح القانون أي مواطن الحق في طلب المعلومات، شريطة أن يبيّن سبباً مشروعاً لهذا الطلب.
إلا أن التطبيق العملي للقانون يختلف بصورة كبيرة عن نصوصه. فبحسب ناشطين في مجال حقوق الإنسان، يواجه المواطنون والصحفيون المستقلون، الذين يُقدّر عددهم بنحو عشرة آلاف صحفي، صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية.
ومن الناحية النظرية، ينبغي أن تتلقى الجهة الطالبة للمعلومة رداً خلال عشرة أيام، أو خلال شهر كحد أقصى. لكن في الواقع، كثيراً ما لا يصل أي رد، أو تأتي الإجابة بعيدة عن مضمون الطلب، أو تقتصر على معلومات عامة ومعروفة مسبقاً، دون تقديم البيانات المطلوبة.
وتزداد هذه الصعوبات بسبب نظام بطاقة الصحافة المهنية التي تصدرها نقابة الصحفيين الأردنيين، والتي لا تُمنح إلا للصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الرسمية أو المعترف بها من قبل النقابة، بينما يُحرم منها الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام المستقلة.
ومنذ عام 2025، صعّدت النقابة إجراءاتها تجاه الصحفيين المستقلين. ففي 1 يونيو/حزيران، أرسلت النقابة رسائل إلى أكثر من 250 صحفياً مستقلاً، من بينهم صحفيون يعملون في حبر وعمان نت وأريج، تطالبهم بحذف صفة «صحفي» من جميع حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ملوحةً بإحالتهم إلى القضاء والسجن استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية إذا استمروا في استخدام هذا الوصف.
وفي الوقت نفسه، طلبت النقابة من المؤسسات الإعلامية تزويدها بقوائم العاملين لديها.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تلقى95 صحفياً مستقلاً استدعاءات رسمية.
وبذلك أصبح الوصول إلى المعلومات الرسمية مشروطاً عملياً بالحصول على بطاقة النقابة، الأمر الذي أدى إلى تهميش الصحفيين المستقلين وإقصائهم من مصادر المعلومات الحكومية.
وأشارت إحدى الصحفيات إلى أن أحد المسؤولين رفض إجراء مقابلة معها بمجرد علمه بأنها لا تحمل بطاقة النقابة، بينما وافق مسؤولون آخرون على إجراء المقابلات، لكنهم امتنعوا عن الإجابة المباشرة عن الأسئلة المطروحة.
كما أفاد عدد من الصحفيين المستقلين بأنهم تعرضوا للتهديد بالسجن إذا استمروا في تقديم أنفسهم بوصفهم صحفيين من دون امتلاك بطاقة النقابة. وينطبق الأمر ذاته على مراسلي المواقع الإخبارية العربية المحجوبة، إذ يُقال لهم إنهم يعملون لدى مؤسسات «تسيء إلى سمعة الأردن»، وإن استمرارهم في عملهم قد يعرضهم للملاحقة القانونية.
وفي المقابل، يواصل عدد من مديري وسائل الإعلام المستقلة محاولاتهم للتفاوض مع نقابة الصحفيين من أجل فتح باب العضوية أمام الصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية غير الرسمية، إلا أن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن أي نتائج إيجابية.
أمن الصحفيين
أدى قانون الجرائم الإلكترونية، والطريقة التي يجري بها تطبيقه من قبل بعض الجهات، بما في ذلك نقابة الصحفيين الأردنيين، إلى خلق مناخ متزايد من انعدام الأمن بالنسبة للصحفيين. إذ يزداد هذا الشعور بانعدام الأمن في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها القطاع الإعلامي، إذ أصبح من الصعب بصورة متزايدة تأمين دخل ثابت من العمل الصحفي.
وبالنسبة للصحفيين المستقلين، لا تزال مؤسستا حبر وعمان نت من بين المؤسسات القليلة التي تقبل نشر أعمالهم، إلا أن الأجور تُدفع فقط إذا كان التحقيق أو التقرير جزءاً من مشروع ممول من جهة مانحة. وفي معظم الحالات، يعمل الصحفيون المستقلون دون مقابل مادي.
وقد أدى هذا الواقع إلى مغادرة عدد متزايد من الصحفيين المتميزين للمهنة، والانتقال إلى العمل في المنظمات الدولية غير الحكومية التي توفر ظروفاً مهنية ورواتب أفضل.
ورغم أن هذا الانتقال يوفر فرصاً أفضل للصحفيين، فإنه يثير أيضاً انتقادات متزايدة داخل الوسط الإعلامي، باعتباره يساهم في استنزاف الكفاءات الصحفية وإضعاف الإعلام المستقل.
أما فيما يتعلق بالدعم القانوني، فقد أصبح محدوداً للغاية. فقد كاننضال منصور قد أسس سابقاً مركز حماية وحرية الصحفيين (CDFJ)لتقديم المساندة القانونية للصحفيين، إلا أن المركز اضطر إلى إغلاق أبوابه عام 2017، رسمياً بسبب مسائل تتعلق بإجراءات التسجيل القانوني. ومنذ ذلك الحين، يواصل نضال منصور تنظيم مؤتمر سنوي حول حرية الصحافة، بمشاركة الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، إلا أن خدمات الدعم القانوني المباشر لم تعد متاحة كما كانت سابقاً.
وفي الوقت الراهن، تُعد المحامية المتخصصة في حقوق الإنسان هالة عاهد من بين القلائل الذين يتولون الدفاع عن الصحفيين المعتقلين، حيث تقدم خدماتها القانونية بصورة تطوعية ودون مقابل.
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تشير التجربة الأردنية إلى غياب نموذج اقتصادي مستدام لوسائل الإعلام المستقلة، إذ تعتمد معظم المؤسسات على التمويل الخارجي أو المبادرات الفردية لضمان استمرارها. يشهد المشهد الإعلامي الأردني الكثير من النماذج الإعلامية التي تعتمد على تمويلات ودعم خارجي.
يُعد نموذج موقع فبراير من المبادرات التي ينظر إليها بإيجابية داخل المنطقة، لأنه أُسس من قبل مؤسسات إعلامية عربية ومن أجل وسائل الإعلام العربية، مع مراعاة أولويات رؤساء التحرير والسياقات المحلية.
ويضم هذا النموذج شبكة من المؤسسات الإعلامية، من بينها مدى مصر، وصوت وميغافون والجمهورية، وهدفه بناء منظومة إعلامية أكثر استدامة عبر إنشاء صندوق إقليمي لدعم المؤسسات الإعلامية، إلى جانب الأكاديمية البديلة للصحافة العربية، وهي أكاديمية تهدف إلى تدريب الصحفيين داخل غرف الأخبار. ويشمل التدريب تعزيز الثقافة العامة، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية، وتنمية التفكير النقدي، قبل دمج الصحفيين في المؤسسات الإعلامية المشاركة. ويحظى هذا النموذج بدعم من عدد من الجهات المانحة.
وفي نفس السياق، تعتمد مؤسسات مثل عمان نت وإذاعة البلد وحبر بصورة شبه كاملة على تمويل الجهات المانحة لتغطية نفقاتها التشغيلية. فتقضي هذه المؤسسات جزءاً كبيراً من وقتها في البحث عن منح تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام، ما يجعلها تفتقر إلى رؤية مالية طويلة الأجل.
ورغم قدرتها على دفع رواتب موظفيها الأساسيين، فإنها غالباً لا تستطيع تعويض معظم الصحفيين المستقلين الذين يتعاونون معها.
كما لاحظ العديد من الصحفيين المستقلين أن الموضوعات التي تُعد حساسة أو تدخل ضمن "الخطوط الحمراء" أصبحت أقل قبولاً حتى داخل بعض وسائل الإعلام المستقلة، نتيجة الضغوط القانونية والاقتصادية.
يُنظر إلىJo24 News باعتباره مؤسسة إعلامية مستقلة في بعض الأحيان، وإن لم يكن ذلك محل إجماع.
ويعتمد هذا الموقع بصورة أساسية على الإعلانات التجارية، إلا أن حضوره في المشهد الإعلامي الأردني ما يزال محدوداً.
ويشير صحفيون إلى أن نموذج التمويل القائم على الإعلانات يمكن أن ينجح نظرياً، لكنه يظل هشاً، إذ يكفي أن تتناول وسيلة إعلامية قضية حساسة حتى تتعرض الشركات المعلنة لضغوط تدفعها إلى سحب إعلاناتها، وهو ما يؤدي إلى خنق المؤسسة مالياً.
أما مبادرة مدرج التي أطلقت روان جيوسي، تعمل على إنشاء مساحة عمل أو حاضنة تربط بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
ورغم أن المشروع لم يرسخ مكانته بعد بسبب محدودية الموارد، فإنه أصبح منصة مهمة للنقاش حول قضايا أساسية، مثل:
الاستدامة الاقتصادية لوسائل الإعلام؛
تطوير نماذج الأعمال؛
جودة التدريب الصحفي؛
استخدام الذكاء الاصطناعي؛
أخلاقيات العمل الإعلامي.
يُعد نموذج رؤيا من النماذج القليلة القادرة على تحقيق الاستقرار المالي، ويرجع ذلك إلى الإمكانات الاقتصادية للعائلة المالكة للمؤسسة، إضافة إلى شبكة علاقاتها التجارية الواسعة.
تواجه منصة أرمرم صعوبات مالية كبيرة، وتعتمد بدرجة رئيسية على تنفيذ مشاريع لصالح شركات القطاع الخاص.
تركز منصتا صوت وصبا المتخصصتان في إنتاج البودكاست بصورة متزايدة على أسواق الخليج العربي. وقد نقلت صبا مقرها الرئيسي إلى المملكة العربية السعودية، التي أصبحت مركزاً إقليمياً لصناعة البودكاست، مع الإبقاء على مكتب في العاصمة عمّان.
خلاصة
بوجه عام، لا يوجد في الأردن نموذج اقتصادي واضح أو مستقر لوسائل الإعلام المستقلة.
وتلجأ كل مؤسسة إلى مزيج من المنح الدولية، والإعلانات، والدعم المؤسسي أو العائلي، والمشاريع قصيرة الأجل، من أجل الاستمرار، وهو ما يجعل استدامة الإعلام المستقل تحدياً دائماً.
الإعلام المستقل: التحديات
وفقاً لبيانات وزارة الاتصال الحكومية الأردنية، يضم المشهد الإعلامي في الأردن:
19صحيفة مطبوعة:11 صحيفة يومية، و7 صحف أسبوعية، وصحيفة نصف شهرية واحدة.
19 قناة فضائية.
41 محطة إذاعية.
138 موقعاً إخبارياً إلكترونياً.
إضافة إلى نحو 50 مؤثراً على منصات التواصل الاجتماعي.
وبشكل عام، يواجه القطاع الإعلامي تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة، ولا سيما بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى الحفاظ على استقلاليتها.
شيزو ميديا: تُعد شيزو ميديا من أبرز منصات صناعة المحتوى الرقمي في الأردن، وتحظى بمتابعة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى عدد من الصحفيين أن المنصة تنجح في الاستجابة لأولويات الجهات المانحة، من خلال إنتاج محتوى يركز على:
إدماج الفئات المهمشة؛
البيئة والتغير المناخي؛
حقوق الإنسان والحريات.
عمان نت : تُعد عمان نت وسيلة إعلام مجتمعية تأسست قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً. وتتكون غالبية جمهورها من الشباب، ولا سيما أفراد جيلي ألفا وزيد، مع تركيز خاص على سكان شرق عمّان، حيث تتركز الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، في مقابل غرب العاصمة الذي تقطنه غالباً النخب الاقتصادية وخريجو الجامعات الغربية. وتركز المؤسسة على القضايا الاجتماعية والسياسية، كما تنشر تقارير تتناول الفساد والشأن العام.
حبر : تُعد حبر من أكثر وسائل الإعلام المستقلة تأثيراً في الأردن. فقد بدأت كمبادرة للتدوين المواطن، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مؤسسة إعلامية مرجعية معروفة بجودة محتواها وولاء جمهورها. وتتميز بإنتاج الصحافة الاستقصائية، وتحليل التطورات السياسية، وتغطية قضايا لا تجد مساحة في وسائل الإعلام التقليدية، إضافة إلى تنظيمها نقاشات عامة حول قضايا الشأن العام.
ورغم تأثيرها، فإنها تتعرض بصورة متكررة للرقابة والضغوط الرسمية، ويظل التحدي الأكبر أمامها هو ضمان استدامتها المالية على المدى الطويل.
قناة رؤيا : تتصدر قناة رؤيا المشهد التلفزيوني الأردني، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من مشاهدي التلفزيون في الأردن يتابعون برامجها.
وتزداد نسبة المشاهدة خلال شهر رمضان، حيث تصل إلى نحو 56%، بما يعادل قرابة 2.8 مليون مشاهد يومياً.
كما تتمتع القناة بحضور قوي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث حققت خلال عام 2025 أكثر من 3 مليارات مشاهدة، بزيادة بلغت 42%مقارنة بعام 2024.
وتستهدف القناة بصورة أساسية الجمهور الشاب، وتحقق نجاحاً لافتاً من خلال برامجها الكوميدية والترفيهية.
قناة المملكة : تمثل قناة المملكة الخدمة الإعلامية العامة في الأردن. ورغم قربها من المؤسسات الرسمية، فإن محتواها لا يقتصر على نقل البيانات الحكومية، بل يشمل تغطيات اقتصادية وتحليلات تتناول قضايا السياسة والأمن والشأن العام.
التربية الإعلامية والمعلوماتية: التطور والتحديات
تُعد التربية الإعلامية والمعلوماتية من أبرز نقاط القوة في الأردن على المستوى الإقليمي.
فمنذ عام 2024، أُدرجت التربية الإعلامية ضمن المناهج الدراسية، ليصبح الأردن أول دولة في المنطقة تعتمد هذا التوجه بصورة رسمية داخل النظام التعليمي.
ويأتي هذا التطور انسجاماً مع قانون الحق في الحصول على المعلومات، حيث تسعى المؤسسات التعليمية إلى تعزيز قدرة المواطنين على التمييز بين المعلومات الموثوقة والإشاعات والآراء الموجهة، خاصة في ظل التدفق الهائل للمحتوى عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويهدف هذا التوجه إلى تنمية الفضول الفكري لدى الطلبة، وفي الوقت نفسه ترسيخ التفكير النقدي والقدرة على تقييم مصادر المعلومات وعدم قبولها بصورة تلقائية.
وتبدأ هذه العملية منذ المراحل الدراسية الأولى، بهدف إعداد جيل أكثر قدرة على التعامل مع البيئة الرقمية.
كما يُعد معهد الإعلام الأردني (Jordan Media Institute – JMI) من أبرز المؤسسات العاملة في هذا المجال، إذ يطوّر منذ سنوات برامج تدريبية تُعد نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مختلف الدول العربية. ورغم التغييرات التي شهدتها إدارة المعهد في السنوات الأخيرة، فإن التربية الإعلامية والمعلوماتية لا تزال إحدى أولوياته الرئيسية.
ويُنظر حالياً إلى برنامج الماجستير في الصحافة الذي يقدمه المعهد باعتباره من أفضل برامج الدراسات العليا المتخصصة في الصحافة داخل الأردن، لما يجمعه من تدريب مهني، وتعزيز لمهارات التفكير النقدي، وتركيز على أخلاقيات العمل الإعلامي.
النوع الاجتماعي والإعلام
لا تحتل قضايا النوع الاجتماعي (الجندر) مساحة واسعة في وسائل الإعلام الأردنية، وغالباً ما يجري تناولها من منظور إحصائي أو في سياق أحداث معينة، أكثر من معالجتها بوصفها قضية بنيوية أو مجتمعية.
فعلى سبيل المثال، تُطرح هذه القضايا عند الإشارة إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز نحو 15%، أو عند نشر بيانات حول ارتفاع معدلات العنف ضد النساء خلال جائحة كوفيد-19. كما تُستخدم الإحصاءات للمقارنة بين المناطق الريفية والحضرية، أو بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، مثل الزراعة والخدمات في العاصمة عمّان.
وتحضر هذه القضايا أيضاً عند تناول ما يُعرف في «جرائم الشرف"، أو في الحالات التي تشدد فيها المحاكم العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، مع الإشارة إلى مبررات مرتبطة بمفهوم "شرف العائلة" أو "شرف العشيرة".
ويُعد موقع حبر استثناءً نسبياً في هذا المجال، إذ تتناول قضايا النوع الاجتماعي من منظور اقتصادي واجتماعي وتحليلي، بدلاً من الاكتفاء بالتغطية الإخبارية التقليدية.
ومن الأمثلة على ذلك تحقيقاتها حول: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقروض الصغيرة على النساء وأسرهن؛ عدم قدرة المرأة الأردنية على منح جنسيتها لأطفالها إذا كان الزوج غير أردني، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية واجتماعية.
ومع ذلك، تبقى مثل هذه المعالجات محدودة، ولا تشكل جزءاً دائماً من التغطية الإعلامية اليومية.
وترى الصحفيات اللواتي أُجريت معهن مقابلات أن تناول الإعلام لقضايا المرأة يتسم غالباً بطابع أبوي أو عاطفي، يهدف إلى إظهار التعاطف أو "إرضاء" الجمهور، أكثر من تقديم تحليل جاد أو معالجة معمقة للسياسات العامة وأسباب عدم المساواة.
وفي المقابل، بدأت تظهر مقاربات جديدة تربط بين النوع الاجتماعي والتكنولوجيا، مثل الدراسات التي تتناول استخدام الصحفيات لأدوات الذكاء الاصطناعي، والفرص التي توفرها هذه التقنيات، إلى جانب المخاطر الأمنية والرقمية المرتبطة بها.
التغطية الإعلامية للقضايا البيئية
يؤكد الصحفيون الذين تمت مقابلتهم أن الموضوعات البيئية أصبحت من أكثر المجالات التي تحظى باهتمام الجهات المانحة، الأمر الذي جعلها تحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات العديد من المؤسسات الإعلامية.
ويرى عدد منهم أن هذه الموضوعات أصبحت "رائجة"، وأن الحصول على تمويل لإنتاج تحقيقات أو تقارير بيئية أصبح أسهل مقارنة بموضوعات أخرى.
وفي الوقت نفسه، يقر الصحفيون بأن هذا التمويل يمنحهم فرصة لإجراء تحقيقات معمقة، وإتاحة الوقت الكافي للبحث الميداني والتحقق من المعلومات، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع الإعلامي.
وتتركز معظم التغطيات البيئية في الأردن حول:
الموارد المائية؛
الزراعة؛
أوضاع المزارعين؛
استخدام المبيدات الزراعية؛
تأثيرات التغير المناخي على الأمن المائي والغذائي.
إلا أن عدداً من الصحفيين يشيرون إلى أن مفهوم البيئة أوسع بكثير من هذه القضايا، وأن مجالات مثل التنوع البيولوجي، والتلوث الصناعي، والطاقة، والاقتصاد الأخضر، لا تزال تحظى باهتمام محدود نسبياً.
وقد أنجزت شبكة أريج عدداً من التحقيقات الاستقصائية حول القضايا البيئية، من بينها تحقيقات تناولت استخدام المبيدات الزراعية وآثارها الصحية والبيئية.
تغطية قضايا الهجرة واللجوء في الإعلام الأردني
يفرق الصحفيون الأردنيون بوضوح بين مفهومي الهجرة واللجوء.
فمصطلح "الهجرة" يُستخدم عادة للإشارة إلى الأشخاص الذين ينتقلون إلى الأردن بصورة طوعية، مثل:
العمال الموسميين في مزارع وادي الأردن؛
العاملات والعمال في الخدمة المنزلية؛
العمالة المصرية التي تعمل في قطاعات الحراسة والبناء والمطاعم والسياحة، ولا سيما في مدينة العقبة.
أما الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الحرب أو الاضطهاد، فيُصنفون في الخطاب الإعلامي ضمن فئة اللاجئين، وليس المهاجرين.
وبناءً على ذلك، فإن الفلسطينيين والسوريين وغيرهم ممن لجؤوا إلى الأردن يُتناولون إعلامياً باعتبارهم لاجئين.
ويشير بعض الصحفيين إلى أن تناول قضايا اللاجئين لم يكن دائماً محل ترحيب من السلطات.
فعلى سبيل المثال،تلقت الصحفية هبة عبيدات اتصالات تحثها على عدم الاستمرار في تغطية بعض الملفات المتعلقة باللاجئين، وهو ما يعكس حساسية هذا الموضوع، خاصة في ضوء العلاقات السياسية والاقتصادية المتغيرة بين الأردن وسوريا.
ويرى الصحفيون أيضاً أن قضايا الهجرة واللجوء تحظى باهتمام واضح من الجهات المانحة، وهو ما يفسر تمويل عدد من التحقيقات الاستقصائية التي تناولت أوضاع اللاجئين السوريين في الأردن، ولا سيما تلك التي أنجزتها شبكة أريج.
ومع ذلك، تبقى معظم التغطيات الإعلامية التقليدية مقتصرة على نشر الإحصاءات والأرقام المتعلقة بأعداد اللاجئين أو العائدين إلى بلدانهم، دون تقديم تحقيقات معمقة تشرح الأسباب أو الظروف أو الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظواهر.
تطور الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
تعكس النقاشات الدائرة داخل الوسط الإعلامي الأردني رؤية متوازنة نسبياً تجاه الذكاء الاصطناعي، إذ يُنظر إليه في الوقت نفسه باعتباره فرصة وتحدياً.
وتلخص الصحفية أفنان أبو يحيى هذه الرؤية في دراسة أُنجزت بدعم من منظمة اليونسكو، حيث تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة أمام العمل الصحفي، لكنه يطرح أيضاً أسئلة جوهرية حول مستقبل المهنة.
ويُستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً بصورة رئيسية بوصفه أداة مساعدة في غرف الأخبار، سواء في البحث، أو التحرير أو التحقق أو تنظيم المعلومات.
وفي المقابل، يثير عدد من الصحفيين مخاوف من تأثير هذه الأدوات على جودة العمل الصحفي، ولا سيما في مجال الصحافة الاستقصائية.
وفي هذا السياق، نظمت روان جيوسي عدداً من اللقاءات المهنية لمناقشة تأثير الذكاء الاصطناعي على غرف الأخبار، محذرة من احتمال أن يؤدي الاعتماد المفرط على هذه الأدوات إلى تراجع المهارات المهنية للصحفيين، وإلى ميل بعضهم نحو الكسل المهني أو الاكتفاء بما تنتجه الأنظمة الذكية.
كما يثير استخدام الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول جودة المصادر التي تعتمد عليها هذه النماذج، ومدى موثوقية المعلومات التي تنتجها، وهي قضية لا تزال تحظى بنقاش محدود داخل المؤسسات الإعلامية.
ومن أجل تعزيز الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، تنظم مؤسسات مثل مشروع قريب وشبكة أريج دورات تدريبية وورش عمل تهدف إلى تعريف الصحفيين بآليات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مهنية وأخلاقية، مع التركيز على التحقق من المعلومات، وحماية المصادر، والحفاظ على معايير الصحافة المستقلة.
الأردن
مؤشر مراسلون بلا حدود: 147 من أصل 180 دولة.
مؤشر فريدوم هاوس (Freedom House) : الحرية العامة 34/100 – حرية الإنترنت47/100
انتقل تصنيف الأردن من "غير حر" إلى "حر جزئياً " نتيجة إصلاح النظام الانتخابي الذي أتاح تمثيلاً أوسع للأحزاب السياسية، غير أن قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 استُخدم لتقييد حرية التعبير، ولا سيما خلال المظاهرات المؤيدة لفلسطين في عامي 2023 و2024، كما استُخدم ضد نشطاء مجتمع الميم (LGBTI+).
يواجه الصحفيون والناشطون الذين يحاولون التحقيق في الشؤون المالية للدولة خطر الاعتقال أو الملاحقة بتهم التشهير. فمن الصعب الحصول على المعلومات من المسؤولين والشخصيات السياسية الذين لا يعلنون عادةً عن دخلهم أو ممتلكاتهم، كما لا يمارس مجلس الأمة دوراً مستقلاً في مناقشة موازنة الحكومة.
كما تعرّض صحفيون وأفراد من عائلاتهم لتهديدات بفقدان وظائفهم، وأفادت تقارير بأن السلطات استخدمت برنامج التجسس Pegasus لمراقبة عدد من الصحفيين.
مؤشر مدركات الفساد (منظمة الشفافية الدولية ) استناداً إلى بيانات عام 2024 : حصل الأردن على 49 من أصل 100 نقطة. وبالمقارنة، كان تقييمه في العام السابق 59/100.
حرية التعبير
منذ نهاية عام 2023، عبّر المواطنون والصحفيون عن قلق بالغ مع تطورات الأوضاع الإقليمية، وظهر ذلك أولاً عبر المظاهرات. إلا أن السلطات سارعت إلى تقييدها، حيث اقتصرت المظاهرات على منطقة وسط البلد ومُنعت تنظيمها أمام السفارتين الأمريكية والإسرائيلية. ومنذ منتصف عام 2025، حُظرت جميع المظاهرات.
لفهم موقف السلطات والمجتمع، لا بد من التذكير بأن الأردن يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الأمريكية والأوروبية، التي ترتبط بدوره كمنطقة عازلة في المنطقة، وكذلك بدوره في استضافة اللاجئين من سوريا والعراق والسودان وغيرهم. وقد انعكس تعليق جزء من المساعدات الأمريكية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بصورة سلبية على الاقتصاد الأردني، وساهم في تسارع هجرة الكفاءات.
على مدار التاريخ، كان المجتمع الأردني يضم أعداداً كبيرة من اللاجئين الذين فروا من الحروب أو الدكتاتوريات أو الإبادة الجماعية، ومنهم الفلسطينيون والسوريون والعراقيون والسودانيون والشركس والشيشان، والأرمن واليمنيون وغيرهم. وقد أدى هذا الواقع إلى ترسيخ شعور جماعي بأن الاستقرار أولوية قصوى، بحيث يكفي أي ضغط أمني لإحياء الصدمات السابقة ودفع كثيرين إلى تجنب الاحتجاج أو المعارضة. وفي هذا السياق أصبحت الرقابة الذاتية وسيلة منطقية للبقاء.
قانون الجرائم الإلكترونية والرقابة الذاتية
صدر أول قانون للجرائم الإلكترونية عام 2015، وكان يُفترض أن يوفّر إطاراً قانونياً للإعلام في ظل انتشار المنصات الرقمية. إلا أن تطبيقه اتجه تدريجياً نحو الحد من حرية الصحافة بدلاً من حمايتها.
ومنذ ذلك التاريخ، طُرحت تعديلات متتالية زادت من القيود المفروضة على حرية التعبير، في وقت باتت فيه السلطات تعتبر أن أي نقد قد يشكل تهديداً للاستقرار الوطني، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية.
ويقوم القانون عملياً على وجود "خطوط حمراء" غير محددة بدقة، بينما تمتلك الجهات الرقابية صلاحية تقرير ما إذا كان شخص ما قد تجاوزها. وتشمل هذه الخطوط موضوعات الدين، والأمن الوطني، وكل ما يتعلق بمؤسسات الحكم أو المسؤولين.
وفي كثير من الحالات، يسبق الاعتقال تحذير غير رسمي، سواء عبر معارف أو من خلال أجهزة المخابرات، مع تهديد الشخص بفقدان عمله أو مكانته الاجتماعية، الأمر الذي يعزز ثقافة الصمت والرقابة الذاتية.
ورغم أن فترات التوقيف غالباً ما تكون قصيرة، فإن قيمة الكفالات المطلوبة للإفراج قد تتراوح بين5,000 و20,000 دينار أردني، في حين يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 350 ديناراً، وهو ما يجعل الكفالة وسيلة ردع فعالة.
أما المؤسسات الإعلامية، فإذا نشرت مواد تتناول موضوعات تعتبر حساسة، فقد تتعرض للحجب أو الإغلاق.
ومن الأمثلة على ذلك، قيام السلطات في أبريل/نيسان 2025 بحجب 12 موقعاً إخبارياًبعد نشر تقارير تفيد بأن الأردن كان يتلقى مقابلاً مالياً مقابل كل عملية إنزال مساعدات إنسانية إلى غزة. وشملت المواقع المحجوبة: ميدل إيست آي، ومجلة ميم، ورصيف22، وعربي21، وعربي بوست، وشبكة رصد الإخبارية، وقناة الشعوب، وصوت الأردن، وعمّان نت وغيرها. كما مُنع مراسلو هذه المنصات داخل الأردن من الوصول إلى المعلومات أو إجراء مقابلات مع المسؤولين.
قوانين الإعلام والتطورات الأخيرة
بدايات قانون الجرائم الإلكترونية
دخل القانون حيز التنفيذ لأول مرة عام 2015.
وفي عام 2017، اقترحت الحكومة تعديلات هدفت إلى تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى نشطاء حقوق الإنسان، من خلال تجريم انتقاد المسؤولين تحت مسمى "خطاب الكراهية"، إلا أن هذه التعديلات رُفضت.
وفي عام 2018 اندلعت احتجاجات واسعة احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وقانون الجرائم الإلكترونية، وشارك فيها عدد كبير من المعلمين، خاصة النساء، وانتهت باستقالة رئيس الوزراء هاني الملقي وتكليف عمر الرزاز بتشكيل الحكومة.
استخدام القانون خلال جائحة كورونا
خلال جائحة كورنا، أتاح تطبيق قانون الدفاع للحكومة إصدار قرارات دون الرجوع إلى البرلمان. فاعتُقل عدد من المعلمين الذين شاركوا في احتجاجات سابقة، واعتُبر نشر أي معلومات عن هذه التحركات تهديداً للأمن الوطني.
كما اعتُقل مدير عام قناة رؤيا ومدير الأخبار بعد بث تقرير تضمن مقابلة مع مواطن قال إن الظروف الاقتصادية دفعته للتفكير في "بيع المخدرات أو السرقة"، واعتُبر ذلك ترويجاً للمخدرات.
وفي مارس/آذار 2021، عقب وفاة 13 مريضاً في مستشفى السلط بسبب انقطاع الأكسجين، طُلب من الصحفيين إزالة المواد المنشورة المتعلقة بالحادثة باعتبارها تمس الأمن الوطني.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، حُجب تطبيق TikTokعقب احتجاجات محافظة معان، كما حُجب موقع الأخبار الساخر الحدود في يوليو/تموز 2023.
قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023
أُقر القانون الجديد في سبتمبر/أيلول 2023، ويتضمن نحو أربعين مادة، وكان الهدف المعلن منه مكافحة الابتزاز الإلكتروني وحماية الأطفال.
إلا أن المادتين 15 و17 تجرّمان الانتقاد الذي قد يُعتبر تشهيراً أو قدحاً أو نشر أخبار كاذبة، دون تعريف واضح لهذه المفاهيم. وبعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُخدم القانون على نطاق واسع ضد الصحفيين والناشطين وحتى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين نشروا آراء اعتُبرت مخالفة.
وقد يؤدي أيضاً انتقاد دولة تربطها علاقات دبلوماسية بالأردن إلى الملاحقة القانونية، كما حدث مع رسام الكاريكاتير عماد حجاج عام 2020.
وفيديسمبر/كانون الأول 2025 اعتُقل الصحفي محمد فرج، مراسل قناة الميادين، فور وصوله إلى مطار عمّان، ولم يُفرج عنه إلا بعد عشرين يوماً. ووفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، يُعتقد أن اعتقاله جاء بسبب انتقاداته للسياسة الأمريكية.
تشديد الإجراءات خلال عام 2025
شهد عام 2025 مزيداً من التضييق على وسائل الإعلام، حيث استُخدم القانون عبر نقابة الصحفيين الأردنيين لمنع الصحفيين المستقلين وغير الحاصلين على عضوية النقابة من ممارسة العمل الصحفي.
وأدى ذلك إلى ازدياد الرقابة الذاتية، إذ أصبح كثير من الصحفيين يسعون إلى حذف التعليقات من صفحاتهم أو البحث عن وسائل للنشر المجهول وإخفاء هوياتهم الرقمية.
ومع ذلك، يشير بعض المختصين بالأمن السيبراني إلى أن الاعتقاد السائد بشأن المراقبة الشاملة قد يكون مبالغاً فيه نسبياً، رغم استمرار الحكومة فيتقديم طلبات للحصول على بيانات المستخدمين من شركة Meta.
التعددية الإعلامية
يتقلص هامش حرية التعبير في الوقت الذي تتراجع فيه أهمية وسائل الإعلام التقليدية. في وقت يعتمد 63٪ من الشباب الأردنيين الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار.
كما تزايدت منذ أواخر 2023 الانتقادات الموجهة إلى وسائل الإعلام الغربية بسبب تغطيتها للحرب في غزة، ويستغل بعض المسؤولين هذه الانتقادات لتبرير تشديد القيود على حرية التعبير، بحجة حماية المجتمع من التأثيرات الخارجية.
في المقابل، ما يزال الخطاب الساخر والكوميديا يشكلان إحدى الوسائل القليلة التي تسمح بتمرير رسائل نقدية، رغم أن بعض الكوميديين تعرضوا بدورهم للملاحقة.
ومن جهة أخرى، ازدادت التغطيات المتعلقة بالبيئة أو قضايا النوع الاجتماعي بفضل التمويل الذي توفره المؤسسات الدولية، إلا أن الصحفيين العاملين في هذه المشاريع كثيراً ما يُتهمون بأنهم يعملون وفق "أجندات أجنبية"، وهو ما يخلق استقطاباً داخل الوسط الإعلامي.
الرقابة والرقابة الذاتية
تواجه وسائل الإعلام الرقمية في الأردن تحديات كبيرة لضمان استمرارها، إذ تعتمد غالباً على:
التمويل الأساسي أو المنح المقدمة من الجهات المانحة.
الدعم العائلي، كما هو الحال في بعض المؤسسات الإعلامية الخاصة.
الإعلانات التجارية.
غير أن الاعتماد على الإعلانات يجعل المؤسسات الإعلامية عرضة لضغوط غير مباشرة، إذ يكفي التواصل مع الشركات المعلنة وتحذيرها من التعامل مع وسيلة إعلامية معينة حتى تفقد مصادر دخلها.
أما الصحفيون المستقلون، وخاصة النساء، فيتعرضون أحياناً لأساليب تهديد غير مباشرة، مثل:
التهديد بنشر شائعات تمس السمعة والشرف، بما قد يعرّض الصحفية لخطر اجتماعي أو حتى جسدي.
التلميح إلى إمكانية استهداف أفراد من الأسرة في وظائفهم أو مصادر رزقهم.
وقد أدت هذه الممارسات إلى انتشار الرقابة الذاتية بشكل واسع، حتى أصبح من النادر أن ينشر صحفي تحقيقاً حول الضغوط التي يتعرض لها زملاؤه.
ولم يُفاجأ الوسط الإعلامي بتراجع الأردن في تصنيف حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود، إلا أن هذا التراجع لم يؤدِ إلى احتجاجات واسعة، بسبب الشعور العام بأن الوضع الجيوسياسي في المنطقة شديد الهشاشة.
وأشار عدد من الصحفيين إلى أن بعض العاملين في وسائل الإعلام الرسمية يرون أن مهمة الصحفي تقتصر على نقل التصريحات الرسمية دون تحليل أو نقد، باعتبار ذلك وسيلة لحماية الدولة. ويثير هذا الأمر تساؤلات حول طبيعة التعليم الإعلامي في الجامعات، وما إذا كان يُرسخ فهماً لمهنة الصحافة يحد من دورها الرقابي والاستقصائي.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
أشار عدد من الصحفيين المستقلين إلى إضراب المعلمين والاحتجاجات التي رافقته عام 2020 باعتبارها مثالاً بارزاً على التلاعب بالمعلومات. فقد شكّل هذا الإضراب أحد أكبر التحركات الاحتجاجية التي شهدها الأردن، وقادته نقابة المعلمين التي كان ينتمي عدد كبير من أعضائها إلى جماعة الإخوان المسلمين. وقد أثار هذا الحراك مخاوف السلطات، لأنه مثّل للمرة الأولى قوة معارضة منظمة وقادرة على التأثير في الرأي العام.
وعقب ذلك، اعتُقل نحو ألف معلم، ثم جرى حلّ النقابة التي قادت الاحتجاجات.
ومن اللافت أن جماعة الإخوان المسلمين كانت لعقود جزءاً من المشهد السياسي الأردني، رغم معارضتها للنظام. وقد تعاملت السلطات معها بوصفها قوة سياسية قائمة، مع السعي إلى احتوائها نظراً لحضورها الواسع على المستوى الوطني، وهو ما كان يظهر بوضوح خلال الانتخابات البرلمانية، بما في ذلك انتخابات عام 2024.
غير أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة جديدة منذ أبريل/نيسان 2025، عندما صنفت السلطات الأردنية جماعة الإخوان المسلمين «جمعية إرهابية»، في خطوة جاءت متزامنة مع الموقف الذي تبنته وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الجماعة في الأردن ومصر ولبنان.
في الأردن، يُعدّ التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة جزءاً من منظومة الرقابة والرقابة الذاتية. فالموضوعات التي تُعتبر من المحظورات لا تُنشر عادة، بل يجري الالتفاف عليها أو تجنبها. وإذا تجاوزت وسيلة إعلامية ما يُعرف بـ«الخط الأحمر»، تسارع وسائل الإعلام الرسمية إلى تقديم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة المقبولة، دون إفساح المجال للنقاش أو للمراجعة النقدية. وبذلك لا يُنظر إلى التفكير النقدي باعتباره قيمة مهنية، بل كثيراً ما يُعامل بوصفه أمراً غير مرغوب فيه.
وفي المقابل، تعمل شبكة أريح (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) بصورة مستمرة على تنظيم دورات تدريبية للصحفيين بهدف تعزيز قدراتهم على كشف المعلومات المضللة والتحقق منها. ومؤخراً، وبالتعاون مع المعهد النرويجي للصحافة (NIJ)، نظمت الشبكة ورشة تدريبية بعنوان "التصدي للتضليل الرقمي باستخدام أدوات التحقق المعززة بالذكاء الاصطناعي".
الحق في الحصول على المعلومات
يمتلك الأردن قانوناً يكفل حق الحصول على المعلومات، لا يقتصر على الصحفيين فحسب، بل يشمل جميع المواطنين. وقد صدر هذا القانون عام 2007، ثم أُدخلت عليه تعديلات في عام 2024. ويمنح القانون أي مواطن الحق في طلب المعلومات، شريطة أن يبيّن سبباً مشروعاً لهذا الطلب.
إلا أن التطبيق العملي للقانون يختلف بصورة كبيرة عن نصوصه. فبحسب ناشطين في مجال حقوق الإنسان، يواجه المواطنون والصحفيون المستقلون، الذين يُقدّر عددهم بنحو عشرة آلاف صحفي، صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية.
ومن الناحية النظرية، ينبغي أن تتلقى الجهة الطالبة للمعلومة رداً خلال عشرة أيام، أو خلال شهر كحد أقصى. لكن في الواقع، كثيراً ما لا يصل أي رد، أو تأتي الإجابة بعيدة عن مضمون الطلب، أو تقتصر على معلومات عامة ومعروفة مسبقاً، دون تقديم البيانات المطلوبة.
وتزداد هذه الصعوبات بسبب نظام بطاقة الصحافة المهنية التي تصدرها نقابة الصحفيين الأردنيين، والتي لا تُمنح إلا للصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الرسمية أو المعترف بها من قبل النقابة، بينما يُحرم منها الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام المستقلة.
ومنذ عام 2025، صعّدت النقابة إجراءاتها تجاه الصحفيين المستقلين. ففي 1 يونيو/حزيران، أرسلت النقابة رسائل إلى أكثر من 250 صحفياً مستقلاً، من بينهم صحفيون يعملون في حبر وعمان نت وأريج، تطالبهم بحذف صفة «صحفي» من جميع حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ملوحةً بإحالتهم إلى القضاء والسجن استناداً إلى قانون الجرائم الإلكترونية إذا استمروا في استخدام هذا الوصف.
وفي الوقت نفسه، طلبت النقابة من المؤسسات الإعلامية تزويدها بقوائم العاملين لديها.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تلقى95 صحفياً مستقلاً استدعاءات رسمية.
وبذلك أصبح الوصول إلى المعلومات الرسمية مشروطاً عملياً بالحصول على بطاقة النقابة، الأمر الذي أدى إلى تهميش الصحفيين المستقلين وإقصائهم من مصادر المعلومات الحكومية.
وأشارت إحدى الصحفيات إلى أن أحد المسؤولين رفض إجراء مقابلة معها بمجرد علمه بأنها لا تحمل بطاقة النقابة، بينما وافق مسؤولون آخرون على إجراء المقابلات، لكنهم امتنعوا عن الإجابة المباشرة عن الأسئلة المطروحة.
كما أفاد عدد من الصحفيين المستقلين بأنهم تعرضوا للتهديد بالسجن إذا استمروا في تقديم أنفسهم بوصفهم صحفيين من دون امتلاك بطاقة النقابة. وينطبق الأمر ذاته على مراسلي المواقع الإخبارية العربية المحجوبة، إذ يُقال لهم إنهم يعملون لدى مؤسسات «تسيء إلى سمعة الأردن»، وإن استمرارهم في عملهم قد يعرضهم للملاحقة القانونية.
وفي المقابل، يواصل عدد من مديري وسائل الإعلام المستقلة محاولاتهم للتفاوض مع نقابة الصحفيين من أجل فتح باب العضوية أمام الصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية غير الرسمية، إلا أن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن أي نتائج إيجابية.
أمن الصحفيين
أدى قانون الجرائم الإلكترونية، والطريقة التي يجري بها تطبيقه من قبل بعض الجهات، بما في ذلك نقابة الصحفيين الأردنيين، إلى خلق مناخ متزايد من انعدام الأمن بالنسبة للصحفيين. إذ يزداد هذا الشعور بانعدام الأمن في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها القطاع الإعلامي، إذ أصبح من الصعب بصورة متزايدة تأمين دخل ثابت من العمل الصحفي.
وبالنسبة للصحفيين المستقلين، لا تزال مؤسستا حبر وعمان نت من بين المؤسسات القليلة التي تقبل نشر أعمالهم، إلا أن الأجور تُدفع فقط إذا كان التحقيق أو التقرير جزءاً من مشروع ممول من جهة مانحة. وفي معظم الحالات، يعمل الصحفيون المستقلون دون مقابل مادي.
وقد أدى هذا الواقع إلى مغادرة عدد متزايد من الصحفيين المتميزين للمهنة، والانتقال إلى العمل في المنظمات الدولية غير الحكومية التي توفر ظروفاً مهنية ورواتب أفضل.
ورغم أن هذا الانتقال يوفر فرصاً أفضل للصحفيين، فإنه يثير أيضاً انتقادات متزايدة داخل الوسط الإعلامي، باعتباره يساهم في استنزاف الكفاءات الصحفية وإضعاف الإعلام المستقل.
أما فيما يتعلق بالدعم القانوني، فقد أصبح محدوداً للغاية. فقد كاننضال منصور قد أسس سابقاً مركز حماية وحرية الصحفيين (CDFJ)لتقديم المساندة القانونية للصحفيين، إلا أن المركز اضطر إلى إغلاق أبوابه عام 2017، رسمياً بسبب مسائل تتعلق بإجراءات التسجيل القانوني. ومنذ ذلك الحين، يواصل نضال منصور تنظيم مؤتمر سنوي حول حرية الصحافة، بمشاركة الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، إلا أن خدمات الدعم القانوني المباشر لم تعد متاحة كما كانت سابقاً.
وفي الوقت الراهن، تُعد المحامية المتخصصة في حقوق الإنسان هالة عاهد من بين القلائل الذين يتولون الدفاع عن الصحفيين المعتقلين، حيث تقدم خدماتها القانونية بصورة تطوعية ودون مقابل.
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تشير التجربة الأردنية إلى غياب نموذج اقتصادي مستدام لوسائل الإعلام المستقلة، إذ تعتمد معظم المؤسسات على التمويل الخارجي أو المبادرات الفردية لضمان استمرارها. يشهد المشهد الإعلامي الأردني الكثير من النماذج الإعلامية التي تعتمد على تمويلات ودعم خارجي.
يُعد نموذج موقع فبراير من المبادرات التي ينظر إليها بإيجابية داخل المنطقة، لأنه أُسس من قبل مؤسسات إعلامية عربية ومن أجل وسائل الإعلام العربية، مع مراعاة أولويات رؤساء التحرير والسياقات المحلية.
ويضم هذا النموذج شبكة من المؤسسات الإعلامية، من بينها مدى مصر، وصوت وميغافون والجمهورية، وهدفه بناء منظومة إعلامية أكثر استدامة عبر إنشاء صندوق إقليمي لدعم المؤسسات الإعلامية، إلى جانب الأكاديمية البديلة للصحافة العربية، وهي أكاديمية تهدف إلى تدريب الصحفيين داخل غرف الأخبار. ويشمل التدريب تعزيز الثقافة العامة، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية، وتنمية التفكير النقدي، قبل دمج الصحفيين في المؤسسات الإعلامية المشاركة. ويحظى هذا النموذج بدعم من عدد من الجهات المانحة.
وفي نفس السياق، تعتمد مؤسسات مثل عمان نت وإذاعة البلد وحبر بصورة شبه كاملة على تمويل الجهات المانحة لتغطية نفقاتها التشغيلية. فتقضي هذه المؤسسات جزءاً كبيراً من وقتها في البحث عن منح تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام، ما يجعلها تفتقر إلى رؤية مالية طويلة الأجل.
ورغم قدرتها على دفع رواتب موظفيها الأساسيين، فإنها غالباً لا تستطيع تعويض معظم الصحفيين المستقلين الذين يتعاونون معها.
كما لاحظ العديد من الصحفيين المستقلين أن الموضوعات التي تُعد حساسة أو تدخل ضمن "الخطوط الحمراء" أصبحت أقل قبولاً حتى داخل بعض وسائل الإعلام المستقلة، نتيجة الضغوط القانونية والاقتصادية.
يُنظر إلىJo24 News باعتباره مؤسسة إعلامية مستقلة في بعض الأحيان، وإن لم يكن ذلك محل إجماع.
ويعتمد هذا الموقع بصورة أساسية على الإعلانات التجارية، إلا أن حضوره في المشهد الإعلامي الأردني ما يزال محدوداً.
ويشير صحفيون إلى أن نموذج التمويل القائم على الإعلانات يمكن أن ينجح نظرياً، لكنه يظل هشاً، إذ يكفي أن تتناول وسيلة إعلامية قضية حساسة حتى تتعرض الشركات المعلنة لضغوط تدفعها إلى سحب إعلاناتها، وهو ما يؤدي إلى خنق المؤسسة مالياً.
أما مبادرة مدرج التي أطلقت روان جيوسي، تعمل على إنشاء مساحة عمل أو حاضنة تربط بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
ورغم أن المشروع لم يرسخ مكانته بعد بسبب محدودية الموارد، فإنه أصبح منصة مهمة للنقاش حول قضايا أساسية، مثل:
الاستدامة الاقتصادية لوسائل الإعلام؛
تطوير نماذج الأعمال؛
جودة التدريب الصحفي؛
استخدام الذكاء الاصطناعي؛
أخلاقيات العمل الإعلامي.
يُعد نموذج رؤيا من النماذج القليلة القادرة على تحقيق الاستقرار المالي، ويرجع ذلك إلى الإمكانات الاقتصادية للعائلة المالكة للمؤسسة، إضافة إلى شبكة علاقاتها التجارية الواسعة.
تواجه منصة أرمرم صعوبات مالية كبيرة، وتعتمد بدرجة رئيسية على تنفيذ مشاريع لصالح شركات القطاع الخاص.
تركز منصتا صوت وصبا المتخصصتان في إنتاج البودكاست بصورة متزايدة على أسواق الخليج العربي. وقد نقلت صبا مقرها الرئيسي إلى المملكة العربية السعودية، التي أصبحت مركزاً إقليمياً لصناعة البودكاست، مع الإبقاء على مكتب في العاصمة عمّان.
خلاصة
بوجه عام، لا يوجد في الأردن نموذج اقتصادي واضح أو مستقر لوسائل الإعلام المستقلة.
وتلجأ كل مؤسسة إلى مزيج من المنح الدولية، والإعلانات، والدعم المؤسسي أو العائلي، والمشاريع قصيرة الأجل، من أجل الاستمرار، وهو ما يجعل استدامة الإعلام المستقل تحدياً دائماً.
الإعلام المستقل: التحديات
وفقاً لبيانات وزارة الاتصال الحكومية الأردنية، يضم المشهد الإعلامي في الأردن:
19صحيفة مطبوعة:11 صحيفة يومية، و7 صحف أسبوعية، وصحيفة نصف شهرية واحدة.
19 قناة فضائية.
41 محطة إذاعية.
138 موقعاً إخبارياً إلكترونياً.
إضافة إلى نحو 50 مؤثراً على منصات التواصل الاجتماعي.
وبشكل عام، يواجه القطاع الإعلامي تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة، ولا سيما بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى الحفاظ على استقلاليتها.
شيزو ميديا: تُعد شيزو ميديا من أبرز منصات صناعة المحتوى الرقمي في الأردن، وتحظى بمتابعة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى عدد من الصحفيين أن المنصة تنجح في الاستجابة لأولويات الجهات المانحة، من خلال إنتاج محتوى يركز على:
إدماج الفئات المهمشة؛
البيئة والتغير المناخي؛
حقوق الإنسان والحريات.
عمان نت : تُعد عمان نت وسيلة إعلام مجتمعية تأسست قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً. وتتكون غالبية جمهورها من الشباب، ولا سيما أفراد جيلي ألفا وزيد، مع تركيز خاص على سكان شرق عمّان، حيث تتركز الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، في مقابل غرب العاصمة الذي تقطنه غالباً النخب الاقتصادية وخريجو الجامعات الغربية. وتركز المؤسسة على القضايا الاجتماعية والسياسية، كما تنشر تقارير تتناول الفساد والشأن العام.
حبر : تُعد حبر من أكثر وسائل الإعلام المستقلة تأثيراً في الأردن. فقد بدأت كمبادرة للتدوين المواطن، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مؤسسة إعلامية مرجعية معروفة بجودة محتواها وولاء جمهورها. وتتميز بإنتاج الصحافة الاستقصائية، وتحليل التطورات السياسية، وتغطية قضايا لا تجد مساحة في وسائل الإعلام التقليدية، إضافة إلى تنظيمها نقاشات عامة حول قضايا الشأن العام.
ورغم تأثيرها، فإنها تتعرض بصورة متكررة للرقابة والضغوط الرسمية، ويظل التحدي الأكبر أمامها هو ضمان استدامتها المالية على المدى الطويل.
قناة رؤيا : تتصدر قناة رؤيا المشهد التلفزيوني الأردني، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من مشاهدي التلفزيون في الأردن يتابعون برامجها.
وتزداد نسبة المشاهدة خلال شهر رمضان، حيث تصل إلى نحو 56%، بما يعادل قرابة 2.8 مليون مشاهد يومياً.
كما تتمتع القناة بحضور قوي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث حققت خلال عام 2025 أكثر من 3 مليارات مشاهدة، بزيادة بلغت 42%مقارنة بعام 2024.
وتستهدف القناة بصورة أساسية الجمهور الشاب، وتحقق نجاحاً لافتاً من خلال برامجها الكوميدية والترفيهية.
قناة المملكة : تمثل قناة المملكة الخدمة الإعلامية العامة في الأردن. ورغم قربها من المؤسسات الرسمية، فإن محتواها لا يقتصر على نقل البيانات الحكومية، بل يشمل تغطيات اقتصادية وتحليلات تتناول قضايا السياسة والأمن والشأن العام.
التربية الإعلامية والمعلوماتية: التطور والتحديات
تُعد التربية الإعلامية والمعلوماتية من أبرز نقاط القوة في الأردن على المستوى الإقليمي.
فمنذ عام 2024، أُدرجت التربية الإعلامية ضمن المناهج الدراسية، ليصبح الأردن أول دولة في المنطقة تعتمد هذا التوجه بصورة رسمية داخل النظام التعليمي.
ويأتي هذا التطور انسجاماً مع قانون الحق في الحصول على المعلومات، حيث تسعى المؤسسات التعليمية إلى تعزيز قدرة المواطنين على التمييز بين المعلومات الموثوقة والإشاعات والآراء الموجهة، خاصة في ظل التدفق الهائل للمحتوى عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويهدف هذا التوجه إلى تنمية الفضول الفكري لدى الطلبة، وفي الوقت نفسه ترسيخ التفكير النقدي والقدرة على تقييم مصادر المعلومات وعدم قبولها بصورة تلقائية.
وتبدأ هذه العملية منذ المراحل الدراسية الأولى، بهدف إعداد جيل أكثر قدرة على التعامل مع البيئة الرقمية.
كما يُعد معهد الإعلام الأردني (Jordan Media Institute – JMI) من أبرز المؤسسات العاملة في هذا المجال، إذ يطوّر منذ سنوات برامج تدريبية تُعد نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مختلف الدول العربية. ورغم التغييرات التي شهدتها إدارة المعهد في السنوات الأخيرة، فإن التربية الإعلامية والمعلوماتية لا تزال إحدى أولوياته الرئيسية.
ويُنظر حالياً إلى برنامج الماجستير في الصحافة الذي يقدمه المعهد باعتباره من أفضل برامج الدراسات العليا المتخصصة في الصحافة داخل الأردن، لما يجمعه من تدريب مهني، وتعزيز لمهارات التفكير النقدي، وتركيز على أخلاقيات العمل الإعلامي.
النوع الاجتماعي والإعلام
لا تحتل قضايا النوع الاجتماعي (الجندر) مساحة واسعة في وسائل الإعلام الأردنية، وغالباً ما يجري تناولها من منظور إحصائي أو في سياق أحداث معينة، أكثر من معالجتها بوصفها قضية بنيوية أو مجتمعية.
فعلى سبيل المثال، تُطرح هذه القضايا عند الإشارة إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز نحو 15%، أو عند نشر بيانات حول ارتفاع معدلات العنف ضد النساء خلال جائحة كوفيد-19. كما تُستخدم الإحصاءات للمقارنة بين المناطق الريفية والحضرية، أو بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، مثل الزراعة والخدمات في العاصمة عمّان.
وتحضر هذه القضايا أيضاً عند تناول ما يُعرف في «جرائم الشرف"، أو في الحالات التي تشدد فيها المحاكم العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، مع الإشارة إلى مبررات مرتبطة بمفهوم "شرف العائلة" أو "شرف العشيرة".
ويُعد موقع حبر استثناءً نسبياً في هذا المجال، إذ تتناول قضايا النوع الاجتماعي من منظور اقتصادي واجتماعي وتحليلي، بدلاً من الاكتفاء بالتغطية الإخبارية التقليدية.
ومن الأمثلة على ذلك تحقيقاتها حول: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقروض الصغيرة على النساء وأسرهن؛ عدم قدرة المرأة الأردنية على منح جنسيتها لأطفالها إذا كان الزوج غير أردني، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية واجتماعية.
ومع ذلك، تبقى مثل هذه المعالجات محدودة، ولا تشكل جزءاً دائماً من التغطية الإعلامية اليومية.
وترى الصحفيات اللواتي أُجريت معهن مقابلات أن تناول الإعلام لقضايا المرأة يتسم غالباً بطابع أبوي أو عاطفي، يهدف إلى إظهار التعاطف أو "إرضاء" الجمهور، أكثر من تقديم تحليل جاد أو معالجة معمقة للسياسات العامة وأسباب عدم المساواة.
وفي المقابل، بدأت تظهر مقاربات جديدة تربط بين النوع الاجتماعي والتكنولوجيا، مثل الدراسات التي تتناول استخدام الصحفيات لأدوات الذكاء الاصطناعي، والفرص التي توفرها هذه التقنيات، إلى جانب المخاطر الأمنية والرقمية المرتبطة بها.
التغطية الإعلامية للقضايا البيئية
يؤكد الصحفيون الذين تمت مقابلتهم أن الموضوعات البيئية أصبحت من أكثر المجالات التي تحظى باهتمام الجهات المانحة، الأمر الذي جعلها تحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات العديد من المؤسسات الإعلامية.
ويرى عدد منهم أن هذه الموضوعات أصبحت "رائجة"، وأن الحصول على تمويل لإنتاج تحقيقات أو تقارير بيئية أصبح أسهل مقارنة بموضوعات أخرى.
وفي الوقت نفسه، يقر الصحفيون بأن هذا التمويل يمنحهم فرصة لإجراء تحقيقات معمقة، وإتاحة الوقت الكافي للبحث الميداني والتحقق من المعلومات، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع الإعلامي.
وتتركز معظم التغطيات البيئية في الأردن حول:
الموارد المائية؛
الزراعة؛
أوضاع المزارعين؛
استخدام المبيدات الزراعية؛
تأثيرات التغير المناخي على الأمن المائي والغذائي.
إلا أن عدداً من الصحفيين يشيرون إلى أن مفهوم البيئة أوسع بكثير من هذه القضايا، وأن مجالات مثل التنوع البيولوجي، والتلوث الصناعي، والطاقة، والاقتصاد الأخضر، لا تزال تحظى باهتمام محدود نسبياً.
وقد أنجزت شبكة أريج عدداً من التحقيقات الاستقصائية حول القضايا البيئية، من بينها تحقيقات تناولت استخدام المبيدات الزراعية وآثارها الصحية والبيئية.
تغطية قضايا الهجرة واللجوء في الإعلام الأردني
يفرق الصحفيون الأردنيون بوضوح بين مفهومي الهجرة واللجوء.
فمصطلح "الهجرة" يُستخدم عادة للإشارة إلى الأشخاص الذين ينتقلون إلى الأردن بصورة طوعية، مثل:
العمال الموسميين في مزارع وادي الأردن؛
العاملات والعمال في الخدمة المنزلية؛
العمالة المصرية التي تعمل في قطاعات الحراسة والبناء والمطاعم والسياحة، ولا سيما في مدينة العقبة.
أما الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الحرب أو الاضطهاد، فيُصنفون في الخطاب الإعلامي ضمن فئة اللاجئين، وليس المهاجرين.
وبناءً على ذلك، فإن الفلسطينيين والسوريين وغيرهم ممن لجؤوا إلى الأردن يُتناولون إعلامياً باعتبارهم لاجئين.
ويشير بعض الصحفيين إلى أن تناول قضايا اللاجئين لم يكن دائماً محل ترحيب من السلطات.
فعلى سبيل المثال،تلقت الصحفية هبة عبيدات اتصالات تحثها على عدم الاستمرار في تغطية بعض الملفات المتعلقة باللاجئين، وهو ما يعكس حساسية هذا الموضوع، خاصة في ضوء العلاقات السياسية والاقتصادية المتغيرة بين الأردن وسوريا.
ويرى الصحفيون أيضاً أن قضايا الهجرة واللجوء تحظى باهتمام واضح من الجهات المانحة، وهو ما يفسر تمويل عدد من التحقيقات الاستقصائية التي تناولت أوضاع اللاجئين السوريين في الأردن، ولا سيما تلك التي أنجزتها شبكة أريج.
ومع ذلك، تبقى معظم التغطيات الإعلامية التقليدية مقتصرة على نشر الإحصاءات والأرقام المتعلقة بأعداد اللاجئين أو العائدين إلى بلدانهم، دون تقديم تحقيقات معمقة تشرح الأسباب أو الظروف أو الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظواهر.
تطور الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
تعكس النقاشات الدائرة داخل الوسط الإعلامي الأردني رؤية متوازنة نسبياً تجاه الذكاء الاصطناعي، إذ يُنظر إليه في الوقت نفسه باعتباره فرصة وتحدياً.
وتلخص الصحفية أفنان أبو يحيى هذه الرؤية في دراسة أُنجزت بدعم من منظمة اليونسكو، حيث تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة أمام العمل الصحفي، لكنه يطرح أيضاً أسئلة جوهرية حول مستقبل المهنة.
ويُستخدم الذكاء الاصطناعي حالياً بصورة رئيسية بوصفه أداة مساعدة في غرف الأخبار، سواء في البحث، أو التحرير أو التحقق أو تنظيم المعلومات.
وفي المقابل، يثير عدد من الصحفيين مخاوف من تأثير هذه الأدوات على جودة العمل الصحفي، ولا سيما في مجال الصحافة الاستقصائية.
وفي هذا السياق، نظمت روان جيوسي عدداً من اللقاءات المهنية لمناقشة تأثير الذكاء الاصطناعي على غرف الأخبار، محذرة من احتمال أن يؤدي الاعتماد المفرط على هذه الأدوات إلى تراجع المهارات المهنية للصحفيين، وإلى ميل بعضهم نحو الكسل المهني أو الاكتفاء بما تنتجه الأنظمة الذكية.
كما يثير استخدام الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول جودة المصادر التي تعتمد عليها هذه النماذج، ومدى موثوقية المعلومات التي تنتجها، وهي قضية لا تزال تحظى بنقاش محدود داخل المؤسسات الإعلامية.
ومن أجل تعزيز الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، تنظم مؤسسات مثل مشروع قريب وشبكة أريج دورات تدريبية وورش عمل تهدف إلى تعريف الصحفيين بآليات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة مهنية وأخلاقية، مع التركيز على التحقق من المعلومات، وحماية المصادر، والحفاظ على معايير الصحافة المستقلة.
مؤشرات حرية الصحافة والحوكمة
مؤشر مراسلون بلا حدود: 160 من أصل 180 دولة.
مؤشر فريدوم هاوس (Freedom House) الحرية العامة: 29 من أصل100 – تصنيف غير حر
مؤشر مدركات الفساد (منظمة الشفافية الدولية: ترتيب150 من أصل 180 دولة.
حرية التعبير
يكفل الدستور العراقي حرية التعبير استناداً إلى المادة (38) من دستور عام 2005، غير أنها تواجه تحديات ميدانية وقانونية جسيمة. فعلى الرغم من الضمانات الدستورية، يتعرض الصحفيون والناشطون لملاحقات قضائية، واستدعاءات أمنية، وتهديدات مستمرة؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع واقع الحريات في ظل مخاوف من مشاريع قوانين تقييدية. وتُعزى أسباب هذا التراجع بالدرجة الأولى إلى تعدد مراكز القرار السياسي، مما مكن أطرافاً غير حكومية عديدة من التغلغل في مؤسسات الدولة وفرض قناعاتها السياسية والعقائدية على العمل الصحفي. يُضاف إلى ذلك التدهور الأمني الذي ساهم في توسع دائرة التطرف الديني والمذهبي.
القوانين والتشريعات الإعلامية
تستند التشريعات الإعلامية في العراق إلى دستور عام 2005 الذي يضمن حرية التعبير والصحافة، وتكتمل هذه المنظومة بقوانين وأنظمة داخلية، أبرزها "قانون حقوق الصحفيين رقم 21 لسنة 2011"، و"قانون هيئة الإعلام والاتصالات رقم 65 لسنة 2004"، بالإضافة إلى لوائح تنظيم البث الرقمي. ورغم وجود هذه النصوص، تبرز تحديات تتعلق ببعض القوانين العقابية. وفي سياق متصل، يعتمد إقليم كوردستان هيكلاً قانونياً خاصاً لتنظيم العمل الصحفي، يعد "قانون العمل الصحفي رقم 35 لسنة 2007" من أبرز ركائزه، كونه يمنع حبس الصحفيين. كما يتضمن الإطار القانوني "قانون الحصول على المعلومات رقم 11 لسنة 2013"، و"قانون منع إساءة استخدام أجهزة الاتصالات رقم 6 لسنة 2008" الذي ينظم النشر الإلكتروني. ومع ذلك، لم تمنع هذه القوانين الاتحادية والإقليمية من مراقبة الصحفيين وملاحقتهم وإيداعهم السجون في حالات عديدة.
التعددية الإعلامية
منذ عام 2003 تشهد الساحة الإعلامية في العراق مشهداً معقداً يجمع بين التنوع الواسع والقيود السياسية، حيث توجد عشرات الفضائيات ومحطات الراديو والمواقع الممولة وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي ممولة من قبل الأحزاب السياسية أو شخصيات نافذة، مقابل تراجع كبير للصحافة المهنية المستقلة. بحسب مراكز متابعة التعددية الإعلامية في العراق، مثل مركز "ميترو" و"جمعية الدفاع عن حرية الصحافة"، تزداد انتهاكات مثل منع التغطية، غلق المكاتب، وملاحقة الصحفيين واعتقالهم؛ الأمر الذي يكبل التعددية لصالح القنوات التابعة للأحزاب والشخصيات والقيادية المتنفذة.
التضييق الناعم على الصحافة في العراق
لم يحدد الدستور أي نوع من أنواع الرقابة على الإعلام، بل إنه بالغ في فسح الحرية أمام الصحفيين، إنما لم يضع في الوقت ذاته الضوابط الواضحة لخضوع الرقابة الذاتية على الإعلام. تنص المادة (38/ب) من الدستور على: "تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة حرية الصحافة والإعلام والإعلان والنشر". ولم يحدد الدستور مخالفة النظام العام والآداب العامة، مما ترك الأمر لتأويلات مفتوحة؛ ذلك أن الآداب العامة تختلف، على سبيل المثال، بين مدن إقليم كوردستان وبين مدن جنوب العراق. ومن شأن هذا الغموض في الدستور العراقي أن يولّد تفسيرات مختلفة ومتناقضة، ما يفرض نوعاً من الرقابة الذاتية على وسائل الإعلام في محافظة تختلف عما هي عليه الحال في محافظة أخرى. ومن جانب آخر، تُعد الرقابة الذاتية وسيلة دفاعية يمارسها الصحفيون لتجنب ملاحقات أمنية، واجتماعية-عشائرية، ودينية أحياناً، وسط بيئة عمل معقدة تفتقر للحماية القانونية المطلوبة. ويؤدي هذا النوع من "التضييق الناعم" بفعل الخوف من التهديدات المستمرة أو الملاحقات القضائية أو أعراف عشائرية، إلى الامتناع عن تناول ملفات حساسة مثل الفساد، النفوذ المسلح، نقد السلطات، وقضايا متعلقة بالقضايا الجندرية.
التضليل الإعلامي والمعلومات غير الموثوقة
يُعد العراق من بين البلدان التي تواجه تحديات كبيرة جراء التضليل الإعلامي وانتشار المعلومات غير الموثوقة. استناداً إلى بيانات رسمية (وزارة الداخلية) لعام، تم توثيق (245) شائعة متداولة خلال (11) يوماً. وتنتشر الشائعات في الغالب بحسب الوزارة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تتصدر منصة فيسبوك المنصات الأكثر تداولاً للشائعات بنسبة 47%، تليها تلغرام بنسبة 31%، ثم منصة (X) بنسبة 22%. وتحتل الشائعات ذات الطابع الأمني المرتبة الأولى بنسبة 49%، تليها الشائعات السياسية بنسبة 31%، ثم الاقتصادية بنسبة 20%، مما يؤثر على الرأي العام.
تعود أسباب المعلومات المضللة وغير الموثوقة إلى أسباب كثيرة، منها وجود وسائل ومنافذ إخبارية متعددة تم تأسيسها وفقاً لأجندات سياسية، الأمر الذي يساهم في انتشار الشائعات والمعلومات المضللة. كما سهلت واختصرت منصات التواصل الاجتماعي الطريق أمام حملات التضليل الإعلامي، وتوفر المنصات الاجتماعية الكثير من التكاليف المالية والجهد البشري، فضلاً عن سرعة الوصول إلى الجماهير المستهدفة. ومن الجدير بالذكر أن العراق من البلدان التي ليس لديها قانون ينظم عمل الإعلام والفضاء الإلكتروني، مما يساهم في التضليل الإعلامي، خاصة خلال فترات الانتخابات وتشكيل الحكومات، والتحديات الأمنية، والسياسية والاقتصادية. غالباً، يتم استخدام مصطلح (التضليل الإعلامي) من قبل جهات سياسية متنفذة لدحض الحقائق التي تعمل عليها الصحافة المستقلة، مثل ملفات الفساد وقضايا متعلقة بحقوق الإنسان والخدمات العامة.
الحق في الحصول على المعلومات
استناداً إلى المادة 38 من الدستور العراقي، يُعد الحق في الحصول على المعلومات في العراق حقاً دستورياً ويهدف لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، إلا أن تشريع "قانون حق الحصول على المعلومة" لا يزال محل جدل؛ حيث يرى ناشطون أن المسودة الحالية تتضمن استثناءات واسعة وعقوبات قد تقيد حرية الصحافة بدلاً من حمايتها. على سبيل المثال، تستثني المادة 11 من القانون حق الوصول إلى المعلومات ذات الطبيعة التجارية، أو الصناعية أو المالية أو الاقتصادية والمعلومات عن العطاءات، والاتصالات والمراسلات الداخلية، وكذلك مداولات مجلس الوزراء والمجالس الوزارية والمداولات الخاصة بعمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة وغيرها الكثير. ولا يبين القانون غاية مشروعة محددة تمنع الحصول عليها. جدير بالذكر أن قانون "حق الحصول على المعلومة" هو مسودة تشريعية أنهى مجلس النواب العراقي قراءته الأولى في شباط 2024، لكنه لم يتم إقراره ويواجه انتقادات كثيرة من منظمات المجتمع المدني.
سلامة الصحفيين
تواجه سلامة الصحفيين في العراق تحديات جمة، حيث يُصنف البلد كواحد من المناطق الخطرة عالمياً، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو لتعزيز الآليات الوطنية للحماية ومكافحة الإفلات من العقاب عام 2025. ورغم وجود قانون لحماية الصحفيين، لا يزال الصحفيون يواجهون أخطار جسدية في ميدان العمل وفي العالم الرقمي أيضاً، مما يستلزم الالتزام ببروتوكولات السلامة الشخصية والأمن الرقمي، وتفعيل دور النقابات في حماية العاملين في الإعلام. وبحسب نقابة الصحفيين العراقيين قُتل 549 صحفياً وصحفية في الفترة الواقعة بين 2003-2022.
آليات التمويل والاستدامة في الإعلام
تعتمد آليات التمويل والاستدامة في الإعلام العراقي على الموارد من ثلاثة مصادر أساسية: المصدر الحكومي، المصدر الحزبي، والمؤسسات الدولية المعنية بالصحافة المهنية.
الدعم الحكومي: يقتصر الدعم الحكومي على تمويل القنوات المرئية، والورقية، والسمعية، والرقمية التابعة لشبكة الإعلام العراقي بشكل مباشر. وتُضاف إلى ذلك مصادر تمويل أخرى كرسوم الاشتراكات والإعلانات.
الدعم السياسي والحزبي: يُعد المورد الحزبي رئيسياً والأكثر تأثيراً على السياسة التحريرية لغالبية قنوات الإعلام العراقية. وبعكس الأحزاب السياسية في العالم والتي تكتفي بموقع إلكتروني أو صفحات على المنصات الاجتماعية، تمتلك الأحزاب في العراق قنوات تلفزيونية فضائية ومواقع على الإنترنت، فضلاً عن صفحات خاصة بها على شبكات المنصات الاجتماعية. كما أن هناك شخصيات سياسية نافذة تمول وسائل إعلامية وتجيّرها لصالح نفوذها من خلال المال السياسي. وتعتمد المؤسسات الإعلامية المحسوبة على الأحزاب والشخصيات السياسية على الإعلانات التجارية أيضاً، لكنها تبقى إعلانات محدودة مقارنة بالتمويل السياسي.
المنح الخارجية: على الرغم من قلتها، تعتمد المؤسسات والمنصات الإعلامية المستقلة على المنح الخارجية لتعزيز العمل الصحفي المهني والحفاظ على استقلاليتها. ولكن في ظل توسع دور المؤسسات الإعلامية الكبيرة وتأثيرها الأوسع على الجمهور، بدأ دور المنصات المستقلة بتراجع واضح. يمكن القول بأن مثل هذه المؤسسات الإعلامية تعاني من أزمات مالية تعيق استدامتها، مما يضطرها لتبني شراكات مع برامج دولية لاستدامة العمل الصحفي.
الإعلام المستقل في العراق: الوضع العام والتحديات
يعيش الإعلام المستقل وغير التابع في العراق أزمة وجودية إن صح التعبير، وذلك بسبب هيمنة نموذج غير مسبوق على المشهد الصحفي في البلاد، ألا وهو الإعلام الحزبي الممول بالمال السياسي. بعد عام 2003 حصلت حالة من التجاذب بين التعددية كمفهوم فكري وبين "العددية" كرقم فقط، فضلاً عن تجاذبات من نوع آخر بين حرية التعبير وبين تحديات التمويل، والقيود الأمنية والسياسية، ما نتج عنه تراجع كبير للصحافة المستقلة.
محو الأمية الإعلامي: التطورات والتحديات
قبل عام ٢٠٠٣، كانت الصحافة في العراق مقيدة وخاضعة لسيطرة الدولة بشكل كامل. بعد سقوط النظام السابق في العام نفسه، تنوعت وسائل الإعلام، فتراوحت بين وسائل إعلام حزبية وحكومية وشبه حكومية، وصولاً إلى وسائل إعلام مستقلة تعاني من ضائقة مالية. وساهمت منظمات دولية، من بينها الاتحادالأوروبيوبرنامجالأممالمتحدةالإنمائي، في تمويل مشاريع تهدف إلى تعزيز الوعي الإعلامي في العراق.
عملت عدة مراكز أوروبية وأمريكية، مثل مختبرالتعليمالإعلامي، إنترنيوز، Free Press Unlimited, IMS, CFI ودويتشه فيله، في العراق على تعزيز الوعي الإعلامي من خلال تدريب الصحفيين وتطوير مهاراتهم المهنية، وتمكينهم من العمل باستقلالية وحرية.
قصارى القول، يبقى التحدى الأهم أمام محو الأمية الإعلامي في العراق رهينة المشهد الصحافي المشتت بين مؤسسات صحفية موزعة بين ما هو حكومي ورسمي وما هو سياسي وحزبي، بينما تعاني الصحافة المستقلة من التضييق والفقر المالي، ما يحول دون تطور الصحافة المهنية المستقلة.
النوع الاجتماعي، البيئة، الهجرة والذكاء الاصطناعي
النوع الاجتماعي: تواجه تغطية القضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي في العراق تحديات كبيرة وسط هيمنة قوانين دينية-مذهبية والعادات الاجتماعية والنظرة الذكورية. ولا تواجه الصحفيات وحدهن مضايقات وقيوداً هيكلية، بل حتى الصحفيين الذين يعملون على العنف القائم على النوع الاجتماعي وإسماع صوت النساء. على سبيل المثال (القانون الجعفري) الذي يجيز تزويج الفتيات في التاسعة من العمر، لم تستطع الصحافة تغطيتها بشكل يليق بحقوق الفتيات.
تغطية البيئة: تعيق عوامل عديدة تقدم الصحافة البيئية في العراق، مثل تقييد تدفق المعلومات أو سيطرة الدولة على السردية البيئية في أفضل الأحوال، ونقص الدراسات العلمية التي تفسر تغير المناخ. هذه العوامل تجعل من الصعب التمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الدقيقة عن آثار تغير المناخ والتدهور البيئي. غالباً ما تكون منظومة المعلومات في العراق فيما يتعلق بتغير المناخ وسبل الحد من مخاطره غامضة ومتناقضة. ويساهم تعدد مراكز القرار المعنية بالمناخ في نشر معلومات متناقضة وغير شفافة. يضاف إلى ذلك نقص الخبرات الصحفية وعدم الأولوية للقضايا المناخية والبيئية في القنوات الإعلامية.
تغطية موضوع الهجرة: يمكن القول بأن تغطية المواضيع المتعلقة بالهجرة لا تتجاوز الأخبار الساخنة حول غرق قارب في البحر أدى إلى موت عدد من المهاجرين. باستثناء ذلك، لا تأخذ الهجرة وأسبابها مساحة في الصحافة العراقية.
الذكاء الاصطناعي: بحسب دراسة حديثة، يعتمد نحو نصف الإعلاميين في العراق على تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملهم، سواء في تحرير الأخبار، أو تحليل البيانات، أو حتى مونتاج الفيديو. ولكن اعتمادهم محدود، والسبب يعود إلى العديد من العقبات التي تقف في طريق دمج هذه التكنولوجيا بشكل فعال. ويحتل تحرير النصوص صدارة العمل الصحفي، ومن ثم الكشف عن الأخبار المزيفة وتحليل البيانات، لكن معظم الإعلاميين يعتمدون على التعلم الذاتي، مما يحد من فعالية الاستخدام ويزيد من مخاطر الذكاء الاصطناعي من دون توفير برامج تدريبية متخصصة ودعماً مؤسسياً حقيقياً للصحفيين في هذا المجال.
مؤشرات حرية الصحافة والحوكمة
مؤشر مراسلون بلا حدود: 160 من أصل 180 دولة.
مؤشر فريدوم هاوس (Freedom House) الحرية العامة: 29 من أصل100 – تصنيف غير حر
مؤشر مدركات الفساد (منظمة الشفافية الدولية: ترتيب150 من أصل 180 دولة.
حرية التعبير
يكفل الدستور العراقي حرية التعبير استناداً إلى المادة (38) من دستور عام 2005، غير أنها تواجه تحديات ميدانية وقانونية جسيمة. فعلى الرغم من الضمانات الدستورية، يتعرض الصحفيون والناشطون لملاحقات قضائية، واستدعاءات أمنية، وتهديدات مستمرة؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع واقع الحريات في ظل مخاوف من مشاريع قوانين تقييدية. وتُعزى أسباب هذا التراجع بالدرجة الأولى إلى تعدد مراكز القرار السياسي، مما مكن أطرافاً غير حكومية عديدة من التغلغل في مؤسسات الدولة وفرض قناعاتها السياسية والعقائدية على العمل الصحفي. يُضاف إلى ذلك التدهور الأمني الذي ساهم في توسع دائرة التطرف الديني والمذهبي.
القوانين والتشريعات الإعلامية
تستند التشريعات الإعلامية في العراق إلى دستور عام 2005 الذي يضمن حرية التعبير والصحافة، وتكتمل هذه المنظومة بقوانين وأنظمة داخلية، أبرزها "قانون حقوق الصحفيين رقم 21 لسنة 2011"، و"قانون هيئة الإعلام والاتصالات رقم 65 لسنة 2004"، بالإضافة إلى لوائح تنظيم البث الرقمي. ورغم وجود هذه النصوص، تبرز تحديات تتعلق ببعض القوانين العقابية. وفي سياق متصل، يعتمد إقليم كوردستان هيكلاً قانونياً خاصاً لتنظيم العمل الصحفي، يعد "قانون العمل الصحفي رقم 35 لسنة 2007" من أبرز ركائزه، كونه يمنع حبس الصحفيين. كما يتضمن الإطار القانوني "قانون الحصول على المعلومات رقم 11 لسنة 2013"، و"قانون منع إساءة استخدام أجهزة الاتصالات رقم 6 لسنة 2008" الذي ينظم النشر الإلكتروني. ومع ذلك، لم تمنع هذه القوانين الاتحادية والإقليمية من مراقبة الصحفيين وملاحقتهم وإيداعهم السجون في حالات عديدة.
التعددية الإعلامية
منذ عام 2003 تشهد الساحة الإعلامية في العراق مشهداً معقداً يجمع بين التنوع الواسع والقيود السياسية، حيث توجد عشرات الفضائيات ومحطات الراديو والمواقع الممولة وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي ممولة من قبل الأحزاب السياسية أو شخصيات نافذة، مقابل تراجع كبير للصحافة المهنية المستقلة. بحسب مراكز متابعة التعددية الإعلامية في العراق، مثل مركز "ميترو" و"جمعية الدفاع عن حرية الصحافة"، تزداد انتهاكات مثل منع التغطية، غلق المكاتب، وملاحقة الصحفيين واعتقالهم؛ الأمر الذي يكبل التعددية لصالح القنوات التابعة للأحزاب والشخصيات والقيادية المتنفذة.
التضييق الناعم على الصحافة في العراق
لم يحدد الدستور أي نوع من أنواع الرقابة على الإعلام، بل إنه بالغ في فسح الحرية أمام الصحفيين، إنما لم يضع في الوقت ذاته الضوابط الواضحة لخضوع الرقابة الذاتية على الإعلام. تنص المادة (38/ب) من الدستور على: "تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب العامة حرية الصحافة والإعلام والإعلان والنشر". ولم يحدد الدستور مخالفة النظام العام والآداب العامة، مما ترك الأمر لتأويلات مفتوحة؛ ذلك أن الآداب العامة تختلف، على سبيل المثال، بين مدن إقليم كوردستان وبين مدن جنوب العراق. ومن شأن هذا الغموض في الدستور العراقي أن يولّد تفسيرات مختلفة ومتناقضة، ما يفرض نوعاً من الرقابة الذاتية على وسائل الإعلام في محافظة تختلف عما هي عليه الحال في محافظة أخرى. ومن جانب آخر، تُعد الرقابة الذاتية وسيلة دفاعية يمارسها الصحفيون لتجنب ملاحقات أمنية، واجتماعية-عشائرية، ودينية أحياناً، وسط بيئة عمل معقدة تفتقر للحماية القانونية المطلوبة. ويؤدي هذا النوع من "التضييق الناعم" بفعل الخوف من التهديدات المستمرة أو الملاحقات القضائية أو أعراف عشائرية، إلى الامتناع عن تناول ملفات حساسة مثل الفساد، النفوذ المسلح، نقد السلطات، وقضايا متعلقة بالقضايا الجندرية.
التضليل الإعلامي والمعلومات غير الموثوقة
يُعد العراق من بين البلدان التي تواجه تحديات كبيرة جراء التضليل الإعلامي وانتشار المعلومات غير الموثوقة. استناداً إلى بيانات رسمية (وزارة الداخلية) لعام، تم توثيق (245) شائعة متداولة خلال (11) يوماً. وتنتشر الشائعات في الغالب بحسب الوزارة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تتصدر منصة فيسبوك المنصات الأكثر تداولاً للشائعات بنسبة 47%، تليها تلغرام بنسبة 31%، ثم منصة (X) بنسبة 22%. وتحتل الشائعات ذات الطابع الأمني المرتبة الأولى بنسبة 49%، تليها الشائعات السياسية بنسبة 31%، ثم الاقتصادية بنسبة 20%، مما يؤثر على الرأي العام.
تعود أسباب المعلومات المضللة وغير الموثوقة إلى أسباب كثيرة، منها وجود وسائل ومنافذ إخبارية متعددة تم تأسيسها وفقاً لأجندات سياسية، الأمر الذي يساهم في انتشار الشائعات والمعلومات المضللة. كما سهلت واختصرت منصات التواصل الاجتماعي الطريق أمام حملات التضليل الإعلامي، وتوفر المنصات الاجتماعية الكثير من التكاليف المالية والجهد البشري، فضلاً عن سرعة الوصول إلى الجماهير المستهدفة. ومن الجدير بالذكر أن العراق من البلدان التي ليس لديها قانون ينظم عمل الإعلام والفضاء الإلكتروني، مما يساهم في التضليل الإعلامي، خاصة خلال فترات الانتخابات وتشكيل الحكومات، والتحديات الأمنية، والسياسية والاقتصادية. غالباً، يتم استخدام مصطلح (التضليل الإعلامي) من قبل جهات سياسية متنفذة لدحض الحقائق التي تعمل عليها الصحافة المستقلة، مثل ملفات الفساد وقضايا متعلقة بحقوق الإنسان والخدمات العامة.
الحق في الحصول على المعلومات
استناداً إلى المادة 38 من الدستور العراقي، يُعد الحق في الحصول على المعلومات في العراق حقاً دستورياً ويهدف لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، إلا أن تشريع "قانون حق الحصول على المعلومة" لا يزال محل جدل؛ حيث يرى ناشطون أن المسودة الحالية تتضمن استثناءات واسعة وعقوبات قد تقيد حرية الصحافة بدلاً من حمايتها. على سبيل المثال، تستثني المادة 11 من القانون حق الوصول إلى المعلومات ذات الطبيعة التجارية، أو الصناعية أو المالية أو الاقتصادية والمعلومات عن العطاءات، والاتصالات والمراسلات الداخلية، وكذلك مداولات مجلس الوزراء والمجالس الوزارية والمداولات الخاصة بعمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة وغيرها الكثير. ولا يبين القانون غاية مشروعة محددة تمنع الحصول عليها. جدير بالذكر أن قانون "حق الحصول على المعلومة" هو مسودة تشريعية أنهى مجلس النواب العراقي قراءته الأولى في شباط 2024، لكنه لم يتم إقراره ويواجه انتقادات كثيرة من منظمات المجتمع المدني.
سلامة الصحفيين
تواجه سلامة الصحفيين في العراق تحديات جمة، حيث يُصنف البلد كواحد من المناطق الخطرة عالمياً، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو لتعزيز الآليات الوطنية للحماية ومكافحة الإفلات من العقاب عام 2025. ورغم وجود قانون لحماية الصحفيين، لا يزال الصحفيون يواجهون أخطار جسدية في ميدان العمل وفي العالم الرقمي أيضاً، مما يستلزم الالتزام ببروتوكولات السلامة الشخصية والأمن الرقمي، وتفعيل دور النقابات في حماية العاملين في الإعلام. وبحسب نقابة الصحفيين العراقيين قُتل 549 صحفياً وصحفية في الفترة الواقعة بين 2003-2022.
آليات التمويل والاستدامة في الإعلام
تعتمد آليات التمويل والاستدامة في الإعلام العراقي على الموارد من ثلاثة مصادر أساسية: المصدر الحكومي، المصدر الحزبي، والمؤسسات الدولية المعنية بالصحافة المهنية.
الدعم الحكومي: يقتصر الدعم الحكومي على تمويل القنوات المرئية، والورقية، والسمعية، والرقمية التابعة لشبكة الإعلام العراقي بشكل مباشر. وتُضاف إلى ذلك مصادر تمويل أخرى كرسوم الاشتراكات والإعلانات.
الدعم السياسي والحزبي: يُعد المورد الحزبي رئيسياً والأكثر تأثيراً على السياسة التحريرية لغالبية قنوات الإعلام العراقية. وبعكس الأحزاب السياسية في العالم والتي تكتفي بموقع إلكتروني أو صفحات على المنصات الاجتماعية، تمتلك الأحزاب في العراق قنوات تلفزيونية فضائية ومواقع على الإنترنت، فضلاً عن صفحات خاصة بها على شبكات المنصات الاجتماعية. كما أن هناك شخصيات سياسية نافذة تمول وسائل إعلامية وتجيّرها لصالح نفوذها من خلال المال السياسي. وتعتمد المؤسسات الإعلامية المحسوبة على الأحزاب والشخصيات السياسية على الإعلانات التجارية أيضاً، لكنها تبقى إعلانات محدودة مقارنة بالتمويل السياسي.
المنح الخارجية: على الرغم من قلتها، تعتمد المؤسسات والمنصات الإعلامية المستقلة على المنح الخارجية لتعزيز العمل الصحفي المهني والحفاظ على استقلاليتها. ولكن في ظل توسع دور المؤسسات الإعلامية الكبيرة وتأثيرها الأوسع على الجمهور، بدأ دور المنصات المستقلة بتراجع واضح. يمكن القول بأن مثل هذه المؤسسات الإعلامية تعاني من أزمات مالية تعيق استدامتها، مما يضطرها لتبني شراكات مع برامج دولية لاستدامة العمل الصحفي.
الإعلام المستقل في العراق: الوضع العام والتحديات
يعيش الإعلام المستقل وغير التابع في العراق أزمة وجودية إن صح التعبير، وذلك بسبب هيمنة نموذج غير مسبوق على المشهد الصحفي في البلاد، ألا وهو الإعلام الحزبي الممول بالمال السياسي. بعد عام 2003 حصلت حالة من التجاذب بين التعددية كمفهوم فكري وبين "العددية" كرقم فقط، فضلاً عن تجاذبات من نوع آخر بين حرية التعبير وبين تحديات التمويل، والقيود الأمنية والسياسية، ما نتج عنه تراجع كبير للصحافة المستقلة.
محو الأمية الإعلامي: التطورات والتحديات
قبل عام ٢٠٠٣، كانت الصحافة في العراق مقيدة وخاضعة لسيطرة الدولة بشكل كامل. بعد سقوط النظام السابق في العام نفسه، تنوعت وسائل الإعلام، فتراوحت بين وسائل إعلام حزبية وحكومية وشبه حكومية، وصولاً إلى وسائل إعلام مستقلة تعاني من ضائقة مالية. وساهمت منظمات دولية، من بينها الاتحادالأوروبيوبرنامجالأممالمتحدةالإنمائي، في تمويل مشاريع تهدف إلى تعزيز الوعي الإعلامي في العراق.
عملت عدة مراكز أوروبية وأمريكية، مثل مختبرالتعليمالإعلامي، إنترنيوز، Free Press Unlimited, IMS, CFI ودويتشه فيله، في العراق على تعزيز الوعي الإعلامي من خلال تدريب الصحفيين وتطوير مهاراتهم المهنية، وتمكينهم من العمل باستقلالية وحرية.
قصارى القول، يبقى التحدى الأهم أمام محو الأمية الإعلامي في العراق رهينة المشهد الصحافي المشتت بين مؤسسات صحفية موزعة بين ما هو حكومي ورسمي وما هو سياسي وحزبي، بينما تعاني الصحافة المستقلة من التضييق والفقر المالي، ما يحول دون تطور الصحافة المهنية المستقلة.
النوع الاجتماعي، البيئة، الهجرة والذكاء الاصطناعي
النوع الاجتماعي: تواجه تغطية القضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي في العراق تحديات كبيرة وسط هيمنة قوانين دينية-مذهبية والعادات الاجتماعية والنظرة الذكورية. ولا تواجه الصحفيات وحدهن مضايقات وقيوداً هيكلية، بل حتى الصحفيين الذين يعملون على العنف القائم على النوع الاجتماعي وإسماع صوت النساء. على سبيل المثال (القانون الجعفري) الذي يجيز تزويج الفتيات في التاسعة من العمر، لم تستطع الصحافة تغطيتها بشكل يليق بحقوق الفتيات.
تغطية البيئة: تعيق عوامل عديدة تقدم الصحافة البيئية في العراق، مثل تقييد تدفق المعلومات أو سيطرة الدولة على السردية البيئية في أفضل الأحوال، ونقص الدراسات العلمية التي تفسر تغير المناخ. هذه العوامل تجعل من الصعب التمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الدقيقة عن آثار تغير المناخ والتدهور البيئي. غالباً ما تكون منظومة المعلومات في العراق فيما يتعلق بتغير المناخ وسبل الحد من مخاطره غامضة ومتناقضة. ويساهم تعدد مراكز القرار المعنية بالمناخ في نشر معلومات متناقضة وغير شفافة. يضاف إلى ذلك نقص الخبرات الصحفية وعدم الأولوية للقضايا المناخية والبيئية في القنوات الإعلامية.
تغطية موضوع الهجرة: يمكن القول بأن تغطية المواضيع المتعلقة بالهجرة لا تتجاوز الأخبار الساخنة حول غرق قارب في البحر أدى إلى موت عدد من المهاجرين. باستثناء ذلك، لا تأخذ الهجرة وأسبابها مساحة في الصحافة العراقية.
الذكاء الاصطناعي: بحسب دراسة حديثة، يعتمد نحو نصف الإعلاميين في العراق على تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملهم، سواء في تحرير الأخبار، أو تحليل البيانات، أو حتى مونتاج الفيديو. ولكن اعتمادهم محدود، والسبب يعود إلى العديد من العقبات التي تقف في طريق دمج هذه التكنولوجيا بشكل فعال. ويحتل تحرير النصوص صدارة العمل الصحفي، ومن ثم الكشف عن الأخبار المزيفة وتحليل البيانات، لكن معظم الإعلاميين يعتمدون على التعلم الذاتي، مما يحد من فعالية الاستخدام ويزيد من مخاطر الذكاء الاصطناعي من دون توفير برامج تدريبية متخصصة ودعماً مؤسسياً حقيقياً للصحفيين في هذا المجال.
لبنان
- مؤشر مراسلون بلا حدود (الأحدث): 132 من أصل 180
- مؤشر فريدوم هاوس: 39 من أصل 100
- مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): 153 من أصل 183
حرية التعبير
في عام 2025، واجهت حرية التعبير في لبنان قيودًا متزايدة، حيث كان الصحفيون والنشطاء يتعرضون بشكل متكرر للملاحقة من خلال دعاوى التشهير واتهامات بجرائم الإنترنت. وعلى الرغم من الضغوط المالية والتدخلات السياسية، واصلت وسائل الإعلام المستقلة توفير مساحة للتقارير النقدية. كما أظهرت المؤسسات الإعلامية الأصغر قدرًا كبيرًا من الصمود من خلال استراتيجيات رقمية مبتكرة وشراكات تعاونية.
ومع ذلك، استمرت المضايقات القضائية والترهيب والرقابة الذاتية، مما حدّ من ممارسة حرية التعبير. ومن الأمثلة على ذلك حملة التشهير الرقمية التي استهدفت منصتي “ميغافون” و”درج”، والتي حققت فيها مؤسسة سمير قصير.
وبحسب مركز “سكايز” للحريات الإعلامية والثقافية التابع لمؤسسة سمير قصير، تم تسجيل 139 انتهاكًا لحرية التعبير بين 1 يناير و31 ديسمبر 2025، من بينها 114 انتهاكًا استهدف صحفيين وصحفيات و15 استهدف مصورين صحفيين.
قانون الإعلام (التطورات الأخيرة)
في مايو 2025، أُحيل مشروع قانون إعلام جديد إلى لجنة الإدارة والعدل في البرلمان اللبناني. وتضمن المشروع إصلاحات مهمة لتعزيز حرية التعبير، من بينها اقتراحات بإلغاء العقوبات الجنائية (مثل السجن والتوقيف الاحتياطي) المتعلقة بجرائم النشر، وإلغاء أحكام التشهير.
غير أن تعديلات لاحقة اقترحت إعادة إدراج أحكام تتعلق بالاحتجاز في بعض الحالات، أثارت مخاوف منظمات حقوق الإنسان.
وخلال عام 2025، دعت العديد من المنظمات المحلية والدولية، بما في ذلك لجنة حماية الصحفيين ومنظمة العفو الدولية، البرلمان اللبناني إلى ضمان أن يحمي القانون حرية التعبير بشكل كامل من خلال إلغاء تجريم التعبير السلمي وتجنب التعديلات التقييدية، في ظل مخاوف أوسع من استخدام قوانين التشهير لترهيب الصحفيين.
وفي أواخر 2025 وبدايات 2026، مثّل مشروع قانون الإعلام اللبناني محاولة إصلاحية رئيسية أحرزت تقدمًا نحو توفير حماية حديثة لحرية التعبير، مع استمرار النقاشات وحملات المناصرة لضمان توافق النسخة النهائية مع المعايير الدولية.
التعددية الإعلامية
في عام 2025، اتسم المشهد الإعلامي اللبناني بمستوى مرتفع نسبيًا من التعددية مقارنة ببقية دول العالم العربي، مع تنوع في وسائل الإعلام وحيوية في النقاش العام.
ومع ذلك، ما زالت الهيمنة السياسية، والتأثيرات الطائفية، والقوانين القديمة، والتهديدات مثل دعاوى التشهير والحملات التشويهية، تحدّ من الاستقلالية التحريرية الحقيقية والتعددية الإعلامية.
الرقابة والرقابة الذاتية
تمارس وسائل الإعلام المستقلة الرقابة الذاتية بشكل متكرر، متأثرة بأولويات الجهات المانحة أو الحساسيات السياسية أو الخوف من الرقابة غير المرئية على منصات التواصل الاجتماعي التي قد تحدّ من وصول محتواها إلى الجمهور.
وفي بعض الأحيان، يتم تعليق مشاريع إعلامية للحفاظ على الاستقلالية التحريرية، مما يعكس حجم المخاطر التي تواجه استقلال المحتوى. وتشمل الموضوعات الحساسة عادةً النقد السياسي والتحقيقات المتعلقة بالشركات.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
يواجه الصحفيون اللبنانيون تحديات مستمرة تتعلق بالتضليل الإعلامي والمعلومات المضللة، الأمر الذي دفع إلى إطلاق مبادرات وطنية مثل حملة نزاهة المعلومات المشتركة بين الأمم المتحدة ومؤسسة مهارات، والتي تهدف إلى تزويد الإعلاميين بأدوات التحقق وتعزيز الوعي بهذه القضايا.
كما أطلقت وزارة الإعلام بالتعاون مع اليونسكو حملة للتربية الإعلامية والمعلوماتية لتعزيز قدرة الجمهور على التحقق من المعلومات وتحليلها.
الحق في الوصول إلى المعلومات
يمنح قانون الحق في الوصول إلى المعلومات في لبنان (الصادر عام 2017 والمعدل عام 2021) المواطنين حق الوصول إلى البيانات العامة، ويلزم الإدارات العامة بنشر المعلومات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
ومع ذلك، لا يزال تنفيذ القانون غير متسق ويواجه عقبات بيروقراطية.
كما أن وصول الصحفيين إلى المصادر يظل محدودًا بسبب غياب إطار قانوني فعال وقوي. ورغم احتفاظ بعض وسائل الإعلام المستقلة المدعومة من جهات مانحة بقدرات تحقيقية معينة، فإن محدودية الدعم المؤسسي وصعوبة الوصول إلى البيانات الرسمية تعيق العمل الصحفي، مما يجعل الوصول إلى المعلومات يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية أكثر من اعتماده على التشريعات.
سلامة وأمن الصحفيين
يواجه الصحفيون في لبنان تحديات أمنية خطيرة، حيث تظل آليات الاستجابة للطوارئ ذات طابع تفاعلي أكثر من كونها وقائية، بينما تبقى الحماية القانونية والموارد اللازمة للأمن الجسدي والطبي والاجتماعي والاقتصادي محدودة.
كما تعاني المؤسسات الإعلامية المحلية من هشاشة مالية كبيرة، ما يؤدي غالبًا إلى تهميش الإنفاق على إجراءات السلامة والأمن.
وفي الوقت نفسه، تبقى المنظمات غير الربحية عرضة لتقليص التمويل نتيجة التغيرات السياسية في الدول المانحة، بينما يتمتع مرتكبو الاعتداءات بمستوى واسع من الإفلات من العقاب، مما يضعف المساءلة بشكل كبير، كما يشير تقرير مؤسسة سمير قصير “الصحافيون في الصفوف الأولى: ما تعلمناه من حرب 2024 على لبنان”
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تعتمد وسائل الإعلام التقليدية بشكل أساسي على عائدات الإعلانات والتمويل السياسي أو الحكومي والمبيعات أو الاشتراكات المحدودة.
أما وسائل الإعلام المستقلة في لبنان فتعتمد بدرجة كبيرة على المنح، بينما تشكل الإعلانات وتحقيق الدخل من الجمهور وإنتاج المحتوى للغير مصادر دخل ثانوية.
وتسود المنح المرتبطة بالمشاريع المحددة، في حين تبقى الاشتراكات نادرة. كما تواجه المؤسسات الإعلامية الصغيرة صعوبة في الحصول على التمويل، ويؤدي الاعتماد على الجهات المانحة إلى الحد من النمو والابتكار التحريري.
لذلك، تظل تنويع مصادر الدخل ضرورة أساسية لضمان الاستدامة.
9. الإعلام المستقل: الوضع والتحديات
عدد قليل من وسائل الإعلام اللبنانية يتمتع باستقلالية حقيقية. فرغم احتفاظها بحرية تحريرية نسبية، فإنها تعتمد على الجهات المانحة وتتعرض لضغوط سياسية.
كما تواجه المؤسسات الأصغر صعوبة في الوصول إلى الجمهور، وتتعرض لتخفيضات في التمويل وتعاني من نقص الموارد، مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار ويحدّ من قدرتها على إنتاج المحتوى.
أمثلة على جمهور بعض وسائل الإعلام المستقلة (يناير 2026)
| اسم الوسيلة الإعلامية | المنصة | الوصول | عدد المتابعين |
|---|---|---|---|
| مناطق نت | فيسبوك | 18,000,000 | 70,000 |
| إنستغرام | 4,600,000 | 31,700 | |
| ميغافون | فيسبوك | 27,884,957 | 219,821 |
| إنستغرام | 8,243,526 | 393,225 | |
| نقد | فيسبوك | 4,300,000 | 25,000 |
| إنستغرام | 9,000,000 | 44,500 | |
| رصيف 22 | فيسبوك | 21,700,000 | 876,385 |
| إنستغرام | 14,000,000 | 410,119 |
التربية الإعلامية: التطور والتحديات
لا تزال مبادرات التربية الإعلامية العامة محدودة في لبنان. وفي بعض الحالات، تدمج وسائل الإعلام المستقلة أنشطة توعوية من خلال التفاعل الرقمي أو تنظيم الفعاليات.
ويؤدي ضعف الوعي العام ونقص التمويل إلى إعاقة تنمية التفكير النقدي في استهلاك المعلومات، مما يحدّ من قدرة الجمهور على التعرف إلى المعلومات المضللة ومواجهتها بفعالية.
النوع الاجتماعي والإعلام
لا تزال الصحفيات في لبنان يواجهن تحيزات جندرية ممنهجة، وتمييزًا ومضايقات رقمية، بما في ذلك هجمات إلكترونية متعمدة تهدف إلى إسكات أصواتهن.
وغالبًا ما تجمع هذه الحملات بين الهجمات السياسية والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي، مما يسبب آثارًا نفسية سلبية ويؤدي إلى الرقابة الذاتية وتأخير التقدم المهني.
كما تظل الحماية القانونية غير كافية، بينما تبقى التغطية الإعلامية لقضايا النوع الاجتماعي محدودة. للمزيد عن الموضوع يمكن قراءة تقرير سمير قصير عن “ثمن الحرية: التحرش الرقمي القائم على النوع الاجتماعي والديمقراطية في لبنان “
تغطية القضايا البيئية
تتناول وسائل إعلام لبنانية مثل “بديل” و”بيروت اليوم ” و”مناطق نت” القضايا البيئية بانتظام، بما في ذلك ندرة المياه وحرائق الغابات وإدارة النفايات وتأثير التغير المناخي على الزراعة.
وتسلط هذه التغطيات الضوء على أوجه القصور البنيوية في الحوكمة، وتسهم في رفع الوعي العام بالتحديات البيئية التي يواجهها لبنان.
ومن الأمثلة على ذلك التحقيق الفائز بمنحة الصحافة الاستقصائية لمؤسسة سمير قصير بعنوان: “عودة التدفق: مشروع إمدادات المياه في بيروت قد يبقي الصنابير جافة والديون مرتفعة”.
تغطية قضايا الهجرة
تظل التغطية الإعلامية لقضايا الهجرة في لبنان محدودة ومعقدة، وغالبًا ما تتأثر بالأزمات السياسية والاقتصادية الأوسع بدلًا من التركيز العميق على حقوق المهاجرين أو أوضاع اللاجئين.
وتدمج منصات مستقلة مثل “ميغافون نيوز” و”رصيف22″ قضايا المهاجرين واللاجئين ضمن تغطياتها، من خلال تحليلات تركز على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وإبراز أصوات الفئات المهمشة التي غالبًا ما تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية.
ويأتي ذلك رغم التحديات المتعلقة بالتمويل والضغوط السياسية وضعف الجمهور والمخاطر القانونية والاعتماد على الجهات المانحة، وهي عوامل تعيق إنتاج تغطيات منتظمة ومتعمقة.
تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام
في عام 2025، ظل استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام اللبنانية محدودًا لكنه يشهد نموًا تدريجيًا.
وتستكشف المؤسسات الإعلامية والجامعات إمكانات الذكاء الاصطناعي في التحقق من المحتوى وتحليله ومكافحة المعلومات المضللة، إلا أن اعتماده داخل غرف الأخبار لا يزال مقيدًا بنقص الموارد والخبرات التقنية.
ومن بين المبادرات القائمة مشاريع تجريبية أطلقتها وزارة الإعلام، إضافة إلى منتديات جامعية تناقش سبل دمج الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية ومسؤولة في العمل الإعلامي.
المصادر
التقرير العام لهيومان رايتس واتش للبنان
مجموعة تقارير مؤسسة سمير قصير عن حرية الإعلام والثقافة
Cartographie des programmes d’assistance aux médias et de soutien au journalisme dans la région du Levant
Manipulation numérique : la campagne de diffamation médiatique coordonnée du Liban
Impact de la suspension du financement américain sur les médias indépendants au Liban
L’état du développement des médias
Journalistes en première ligne : les leçons de la guerre de 2024 au Liban
Perception publique des médias indépendants au Liban
Le prix de la liberté : harcèlement numérique sexiste et démocratie au Liban
لبنان
- مؤشر مراسلون بلا حدود (الأحدث): 132 من أصل 180
- مؤشر فريدوم هاوس: 39 من أصل 100
- مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): 153 من أصل 183
حرية التعبير
في عام 2025، واجهت حرية التعبير في لبنان قيودًا متزايدة، حيث كان الصحفيون والنشطاء يتعرضون بشكل متكرر للملاحقة من خلال دعاوى التشهير واتهامات بجرائم الإنترنت. وعلى الرغم من الضغوط المالية والتدخلات السياسية، واصلت وسائل الإعلام المستقلة توفير مساحة للتقارير النقدية. كما أظهرت المؤسسات الإعلامية الأصغر قدرًا كبيرًا من الصمود من خلال استراتيجيات رقمية مبتكرة وشراكات تعاونية.
ومع ذلك، استمرت المضايقات القضائية والترهيب والرقابة الذاتية، مما حدّ من ممارسة حرية التعبير. ومن الأمثلة على ذلك حملة التشهير الرقمية التي استهدفت منصتي “ميغافون” و”درج”، والتي حققت فيها مؤسسة سمير قصير.
وبحسب مركز “سكايز” للحريات الإعلامية والثقافية التابع لمؤسسة سمير قصير، تم تسجيل 139 انتهاكًا لحرية التعبير بين 1 يناير و31 ديسمبر 2025، من بينها 114 انتهاكًا استهدف صحفيين وصحفيات و15 استهدف مصورين صحفيين.
قانون الإعلام (التطورات الأخيرة)
في مايو 2025، أُحيل مشروع قانون إعلام جديد إلى لجنة الإدارة والعدل في البرلمان اللبناني. وتضمن المشروع إصلاحات مهمة لتعزيز حرية التعبير، من بينها اقتراحات بإلغاء العقوبات الجنائية (مثل السجن والتوقيف الاحتياطي) المتعلقة بجرائم النشر، وإلغاء أحكام التشهير.
غير أن تعديلات لاحقة اقترحت إعادة إدراج أحكام تتعلق بالاحتجاز في بعض الحالات، أثارت مخاوف منظمات حقوق الإنسان.
وخلال عام 2025، دعت العديد من المنظمات المحلية والدولية، بما في ذلك لجنة حماية الصحفيين ومنظمة العفو الدولية، البرلمان اللبناني إلى ضمان أن يحمي القانون حرية التعبير بشكل كامل من خلال إلغاء تجريم التعبير السلمي وتجنب التعديلات التقييدية، في ظل مخاوف أوسع من استخدام قوانين التشهير لترهيب الصحفيين.
وفي أواخر 2025 وبدايات 2026، مثّل مشروع قانون الإعلام اللبناني محاولة إصلاحية رئيسية أحرزت تقدمًا نحو توفير حماية حديثة لحرية التعبير، مع استمرار النقاشات وحملات المناصرة لضمان توافق النسخة النهائية مع المعايير الدولية.
التعددية الإعلامية
في عام 2025، اتسم المشهد الإعلامي اللبناني بمستوى مرتفع نسبيًا من التعددية مقارنة ببقية دول العالم العربي، مع تنوع في وسائل الإعلام وحيوية في النقاش العام.
ومع ذلك، ما زالت الهيمنة السياسية، والتأثيرات الطائفية، والقوانين القديمة، والتهديدات مثل دعاوى التشهير والحملات التشويهية، تحدّ من الاستقلالية التحريرية الحقيقية والتعددية الإعلامية.
الرقابة والرقابة الذاتية
تمارس وسائل الإعلام المستقلة الرقابة الذاتية بشكل متكرر، متأثرة بأولويات الجهات المانحة أو الحساسيات السياسية أو الخوف من الرقابة غير المرئية على منصات التواصل الاجتماعي التي قد تحدّ من وصول محتواها إلى الجمهور.
وفي بعض الأحيان، يتم تعليق مشاريع إعلامية للحفاظ على الاستقلالية التحريرية، مما يعكس حجم المخاطر التي تواجه استقلال المحتوى. وتشمل الموضوعات الحساسة عادةً النقد السياسي والتحقيقات المتعلقة بالشركات.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
يواجه الصحفيون اللبنانيون تحديات مستمرة تتعلق بالتضليل الإعلامي والمعلومات المضللة، الأمر الذي دفع إلى إطلاق مبادرات وطنية مثل حملة نزاهة المعلومات المشتركة بين الأمم المتحدة ومؤسسة مهارات، والتي تهدف إلى تزويد الإعلاميين بأدوات التحقق وتعزيز الوعي بهذه القضايا.
كما أطلقت وزارة الإعلام بالتعاون مع اليونسكو حملة للتربية الإعلامية والمعلوماتية لتعزيز قدرة الجمهور على التحقق من المعلومات وتحليلها.
الحق في الوصول إلى المعلومات
يمنح قانون الحق في الوصول إلى المعلومات في لبنان (الصادر عام 2017 والمعدل عام 2021) المواطنين حق الوصول إلى البيانات العامة، ويلزم الإدارات العامة بنشر المعلومات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
ومع ذلك، لا يزال تنفيذ القانون غير متسق ويواجه عقبات بيروقراطية.
كما أن وصول الصحفيين إلى المصادر يظل محدودًا بسبب غياب إطار قانوني فعال وقوي. ورغم احتفاظ بعض وسائل الإعلام المستقلة المدعومة من جهات مانحة بقدرات تحقيقية معينة، فإن محدودية الدعم المؤسسي وصعوبة الوصول إلى البيانات الرسمية تعيق العمل الصحفي، مما يجعل الوصول إلى المعلومات يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية أكثر من اعتماده على التشريعات.
سلامة وأمن الصحفيين
يواجه الصحفيون في لبنان تحديات أمنية خطيرة، حيث تظل آليات الاستجابة للطوارئ ذات طابع تفاعلي أكثر من كونها وقائية، بينما تبقى الحماية القانونية والموارد اللازمة للأمن الجسدي والطبي والاجتماعي والاقتصادي محدودة.
كما تعاني المؤسسات الإعلامية المحلية من هشاشة مالية كبيرة، ما يؤدي غالبًا إلى تهميش الإنفاق على إجراءات السلامة والأمن.
وفي الوقت نفسه، تبقى المنظمات غير الربحية عرضة لتقليص التمويل نتيجة التغيرات السياسية في الدول المانحة، بينما يتمتع مرتكبو الاعتداءات بمستوى واسع من الإفلات من العقاب، مما يضعف المساءلة بشكل كبير، كما يشير تقرير مؤسسة سمير قصير “الصحافيون في الصفوف الأولى: ما تعلمناه من حرب 2024 على لبنان”
النماذج الاقتصادية لوسائل الإعلام
تعتمد وسائل الإعلام التقليدية بشكل أساسي على عائدات الإعلانات والتمويل السياسي أو الحكومي والمبيعات أو الاشتراكات المحدودة.
أما وسائل الإعلام المستقلة في لبنان فتعتمد بدرجة كبيرة على المنح، بينما تشكل الإعلانات وتحقيق الدخل من الجمهور وإنتاج المحتوى للغير مصادر دخل ثانوية.
وتسود المنح المرتبطة بالمشاريع المحددة، في حين تبقى الاشتراكات نادرة. كما تواجه المؤسسات الإعلامية الصغيرة صعوبة في الحصول على التمويل، ويؤدي الاعتماد على الجهات المانحة إلى الحد من النمو والابتكار التحريري.
لذلك، تظل تنويع مصادر الدخل ضرورة أساسية لضمان الاستدامة.
9. الإعلام المستقل: الوضع والتحديات
عدد قليل من وسائل الإعلام اللبنانية يتمتع باستقلالية حقيقية. فرغم احتفاظها بحرية تحريرية نسبية، فإنها تعتمد على الجهات المانحة وتتعرض لضغوط سياسية.
كما تواجه المؤسسات الأصغر صعوبة في الوصول إلى الجمهور، وتتعرض لتخفيضات في التمويل وتعاني من نقص الموارد، مما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار ويحدّ من قدرتها على إنتاج المحتوى.
أمثلة على جمهور بعض وسائل الإعلام المستقلة (يناير 2026)
| اسم الوسيلة الإعلامية | المنصة | الوصول | عدد المتابعين |
|---|---|---|---|
| مناطق نت | فيسبوك | 18,000,000 | 70,000 |
| إنستغرام | 4,600,000 | 31,700 | |
| ميغافون | فيسبوك | 27,884,957 | 219,821 |
| إنستغرام | 8,243,526 | 393,225 | |
| نقد | فيسبوك | 4,300,000 | 25,000 |
| إنستغرام | 9,000,000 | 44,500 | |
| رصيف 22 | فيسبوك | 21,700,000 | 876,385 |
| إنستغرام | 14,000,000 | 410,119 |
التربية الإعلامية: التطور والتحديات
لا تزال مبادرات التربية الإعلامية العامة محدودة في لبنان. وفي بعض الحالات، تدمج وسائل الإعلام المستقلة أنشطة توعوية من خلال التفاعل الرقمي أو تنظيم الفعاليات.
ويؤدي ضعف الوعي العام ونقص التمويل إلى إعاقة تنمية التفكير النقدي في استهلاك المعلومات، مما يحدّ من قدرة الجمهور على التعرف إلى المعلومات المضللة ومواجهتها بفعالية.
النوع الاجتماعي والإعلام
لا تزال الصحفيات في لبنان يواجهن تحيزات جندرية ممنهجة، وتمييزًا ومضايقات رقمية، بما في ذلك هجمات إلكترونية متعمدة تهدف إلى إسكات أصواتهن.
وغالبًا ما تجمع هذه الحملات بين الهجمات السياسية والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي، مما يسبب آثارًا نفسية سلبية ويؤدي إلى الرقابة الذاتية وتأخير التقدم المهني.
كما تظل الحماية القانونية غير كافية، بينما تبقى التغطية الإعلامية لقضايا النوع الاجتماعي محدودة. للمزيد عن الموضوع يمكن قراءة تقرير سمير قصير عن “ثمن الحرية: التحرش الرقمي القائم على النوع الاجتماعي والديمقراطية في لبنان “
تغطية القضايا البيئية
تتناول وسائل إعلام لبنانية مثل “بديل” و”بيروت اليوم ” و”مناطق نت” القضايا البيئية بانتظام، بما في ذلك ندرة المياه وحرائق الغابات وإدارة النفايات وتأثير التغير المناخي على الزراعة.
وتسلط هذه التغطيات الضوء على أوجه القصور البنيوية في الحوكمة، وتسهم في رفع الوعي العام بالتحديات البيئية التي يواجهها لبنان.
ومن الأمثلة على ذلك التحقيق الفائز بمنحة الصحافة الاستقصائية لمؤسسة سمير قصير بعنوان: “عودة التدفق: مشروع إمدادات المياه في بيروت قد يبقي الصنابير جافة والديون مرتفعة”.
تغطية قضايا الهجرة
تظل التغطية الإعلامية لقضايا الهجرة في لبنان محدودة ومعقدة، وغالبًا ما تتأثر بالأزمات السياسية والاقتصادية الأوسع بدلًا من التركيز العميق على حقوق المهاجرين أو أوضاع اللاجئين.
وتدمج منصات مستقلة مثل “ميغافون نيوز” و”رصيف22″ قضايا المهاجرين واللاجئين ضمن تغطياتها، من خلال تحليلات تركز على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وإبراز أصوات الفئات المهمشة التي غالبًا ما تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية.
ويأتي ذلك رغم التحديات المتعلقة بالتمويل والضغوط السياسية وضعف الجمهور والمخاطر القانونية والاعتماد على الجهات المانحة، وهي عوامل تعيق إنتاج تغطيات منتظمة ومتعمقة.
تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام
في عام 2025، ظل استخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام اللبنانية محدودًا لكنه يشهد نموًا تدريجيًا.
وتستكشف المؤسسات الإعلامية والجامعات إمكانات الذكاء الاصطناعي في التحقق من المحتوى وتحليله ومكافحة المعلومات المضللة، إلا أن اعتماده داخل غرف الأخبار لا يزال مقيدًا بنقص الموارد والخبرات التقنية.
ومن بين المبادرات القائمة مشاريع تجريبية أطلقتها وزارة الإعلام، إضافة إلى منتديات جامعية تناقش سبل دمج الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية ومسؤولة في العمل الإعلامي.
المصادر
التقرير العام لهيومان رايتس واتش للبنان
مجموعة تقارير مؤسسة سمير قصير عن حرية الإعلام والثقافة
Cartographie des programmes d’assistance aux médias et de soutien au journalisme dans la région du Levant
Manipulation numérique : la campagne de diffamation médiatique coordonnée du Liban
Impact de la suspension du financement américain sur les médias indépendants au Liban
L’état du développement des médias
Journalistes en première ligne : les leçons de la guerre de 2024 au Liban
Perception publique des médias indépendants au Liban
Le prix de la liberté : harcèlement numérique sexiste et démocratie au Liban
سوريا
مراسلون بلا حدود: 177/180 (2025)
مؤشر فريدوم هاوس: 5/100 – غير مجاني (2025)
مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): 12/100 (2024)
حرية التعبير
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أصبحت سوريا تتمتع بحرية تعبير لا سابقة لها، حيث حققت تقدمًا ملحوظًا في المؤشرات العالمية لحرية الصحافة من مراسلون بلا حدود (2025) وفي فريدوم هاوس (2025)، وخاصة بعد أن أصدرت وزارة الإعلام، 19200 تصريح عمل، تم تسليمها للصحفيين المقيمين خلال السنة الفائتة. ومع ذلك، فإن هذه الحرية الجديدة المكتسبة ليست محمية بموجب القانون ولا من قبل المؤسسات ذات بنية جيدة، بما في ذلك النقابات المستقلة.
٢. القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
على الرغم من الإعلان الدستوري (الدستور المؤقت) الصادر في 13 مارس 2025، والذي ينص على أن «تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة» (المادة 13)، تبقى وسائل الإعلام السورية، على الأقل من الناحية النظرية، متسقة مع القوانين الواسعة القمعية منذ عهد نظام الأسد، لم يجتمع حتى الآن مجلس النواب الجديد لمناقشة هذه القوانين.
٣. التعددية
ظهرت التعددية الإعلامية السورية في ثورة 2011، مما سمح بنشوء وسائل إعلام مستقلة، وتضم جميع المتدربين في لغات غير عربية مثل الكرد. تعمل هذه المؤسسات في المنفى وفي المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد القديم. اليوم، من الممكن التأكيد بلا مخاطر على استمرار هذه التعددية. بعد إغلاق النظام السابق، تم إيداع 636 طلب تسجيل عبر من المؤسسات الإعلامية في سوريا.
٤. الرقابة والرقابة الذاتية
أدى انهيار نظام الأسد إلى تلاشي العديد من الخطوط الحمراء والمحظورات، لا سيما فيما يتعلق بالرئيس وعائلته ومحيطه والجيش وقوات الأمن والمسائل العرقية والوضع الاقتصادي. ومع ذلك، فإن غموض القوانين والتوترات الاجتماعية القوية تدفع الصحفيين لممارسة الرقابة الذاتية. فعلى سبيل المثال، يخشى صحفيون محليون وأجانب من رفض منحهم تأشيرة دخول أو حرمانهم من الوصول إلى المسؤولين بسبب انتقادهم للحكومة. كما يساورهم القلق من التعرض لتهديدات جسدية وعبر الإنترنت نتيجة لعملهم.
٥. التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
منذ ثورة 2011، أصبح الواقع السوري أرضًا خصبة للتضليل. أدى سقوط نظام الأسد إلى تفاقم الوضع، من خلال حملات التضليل حملات تضليل أكثر تنظيمًا – ممولة ومروَّجة على المستوى الإقليمي – تهدف إلى نزع الشرعية عن الحكومة السورية الجديدة، ولا سيما إلى تأجيج التوترات وأعمال العنف الطائفية والإثنية بين السوريين.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، ظهرت منصات لتقصّي الحقائق مثل Verify-Sy وtrue_platform وFareq وRadar. كما يتعاون العديد من وسائل الإعلام مع منظمات متخصصة للتحقق من معلوماتهم قبل النشر. وعلاوة على ذلك، أطلقت وزارة الإعلام مبادرة لإعداد ميثاق شرف مهني، شملت تنظيم 16 ورشة عمل في محافظات مختلفة، شارك فيها 600 صحفي.
٦. الحق في الحصول على المعلومات
أصدرت سوريا قانونًا يضمن حق الوصول إلى المعلومات. وبعد سقوط نظام الأسد، أصبح الوصول إلى هذه المواقع أفضل إلى حد كبير، مما يسمح للصحفيين العاملين بحرية أكبر في البلد. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى المسؤولين محدودًا، وقد أعرب الصحفيون السوريون عن قلقهم وإحباطهم إزاء المعاملة التفضيلية التي تُمنح للصحفيين الأجانب أو للصحفيين السوريين العاملين لدى وسائل إعلام ووكالات أنباء دولية.
٧. أمن الصحفيين
على الرغم من التغييرات الملحوظة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، لا يزال الصحفيون السوريون يواجهون تهديدات خطيرة. ووفقًا لجمعية الصحفيين السوريين (SJA) ومقرّها فرنسا، تم توقيف ثلاثة صحفيين احتياطيًا من قبل القوات الحكومية في يونيو/حزيران 2025.
كما أن إعادة تفعيل الحكومة الجديدة للقانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المعلوماتية تُشكّل تهديدًا حقيقيًا، لا سيما للصحفيين. فقد تعرّض هذا القانون لانتقادات منذ اعتماده بسبب فرضه قيودًا فضفاضة وعقوبات مشددة تحدّ من حرية التعبير، مع ملاحظة ارتفاع كبير في الشكاوى المتعلقة بالتحريض على الكراهية والطائفية عبر الإنترنت.
ومع ذلك، فإن أخطر التهديدات تأتي من خارج الإطار الحكومي، نتيجة مشكلات أمنية، وأعمال عنف طائفية، وتراكم النزاعات المستمرة المرتبطة بالحرب، فضلًا عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي. وقد وثّقت جمعية الصحفيين السوريين مقتل ثلاثة صحفيين وإصابة اثنين آخرين خلال أشهر مايو/أيار ويونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025 على يد أفراد تم التعرف عليهم. كما نجا عدد من الصحفيين من هجمات إسرائيلية في جنوب سوريا، أو تعرّضوا للاحتجاز المؤقت من قبل القوات الإسرائيلية.
٨. آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي، وأكثر من عشر سنوات من الحرب، والعقوبات الدولية، أصبحت وسائل الإعلام السورية تعتمد اليوم بشكل كبير، بل وأحيانًا بشكل شبه حصري، على التمويل الخارجي. فبينما تحظى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بالحكومة بدعم رسمي، تعتمد وسائل الإعلام المستقلة على المساعدات الدولية.
كما تتلقى بعض الوسائل الإعلامية دعمًا من قوى إقليمية، مثل قناة سوريا تي في المموّلة من قطر. ومع ذلك، قد يتيح التخفيف الأخير للعقوبات إمكانية تحقيق إيرادات إعلانية، لا سيما عبر منصات وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.
٩. الإعلام المستقل: الوضع العام والتحديات
تُعدّ نهضة وسائل الإعلام المستقلة إحدى أبرز نتائج ثورة عام 2011. ومن بين أبرز هذه الوسائل التي لا تزال ناشطة: عنب بلدي، الجمهورية، سوريا دايركت، الشبكة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج)، راديو روزنة، وراديو آرتا.
وبالإضافة إلى اعتمادها على التمويل الدولي، فإن جميع هذه المؤسسات الإعلامية – باستثناء عنب بلدي التي أعلنت في مارس/آذار 2025 استئناف الطباعة والتوزيع في دمشق – متاحة حصريًا عبر الإنترنت، مما يحدّ من نطاق وصولها وتأثيرها. ووفقًا لبيانات Datareportal، بلغ معدل انتشار الإنترنت في سوريا 35.8٪ من إجمالي السكان في مطلع عام 2025.
والأهم من ذلك، أن هذه الوسائل تواجه تحدي التطور والتأثير في بيئة شديدة الاستقطاب، دون المساس بموضوعيتها أو بمعاييرها المهنية الأخرى.
١٠. التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
لقد أدت زيادة انتشار المعلومات المضلِّلة والكاذبة، جنبًا إلى جنب مع تغيّر النظام في سوريا، إلى تعزيز الاهتمام بالتربية الإعلامية. ويُعدّ المشروع الأحدث والأبرز في هذا المجال هو المختبر السوري للتربية الإعلامية يركز بشكل أساسي على الصحفيين كمرحلة أولى.
النوع الاجتماعي والإعلام
مثلّت انتفاضة عام 2011 نقطة تحول في مشاركة النساء السوريات في وسائل الإعلام. ومع ذلك، أظهرت دراسة أُجريت عام 2016 أن 38٪ فقط منهن كن يشغلن مناصب قيادية. وبفضل دعم وسائل الإعلام المستقلة السورية والممولين الدوليين، تمّ بذل جهود ملحوظة خلال العام الماضي لتعزيز قدرات الصحفيات من خلال برامج تدريبية متنوعة ومنح دراسية.
١٢. تغطية القضايا البيئية
على الرغم من ندرة، أو حتى غياب، وسائل الإعلام السورية المتخصصة في القضايا البيئية، يبدو أن هذه الاهتمامات تمثل أولوية للوسائل الإعلامية والصحفيين القائمين. ويمكن تفسير هذه الوعي والاهتمام المتزايد بعدة عوامل رئيسية، أبرزها: الآثار البيئية المدمّرة للحرب خلال السنوات الماضية، العواقب الواضحة للتغير المناخي – وخاصة الجفاف –، والدعم المتنامي من الجهات المموِّلة لدور الإعلام في توعية الجمهور والسعي لإيجاد حلول.
١٣. تغطية موضوع الهجرة
بعد سنوات من الحرب، أصبحت سوريا دولة منشأ للاجئين أكثر منها وجهة لهم. ومع ذلك، تظل قضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين وصلوا إلى البلاد بعد النكبة الفلسطينية عام 1948 ويتمتعون منذ ذلك الحين بجميع الحقوق المدنية (ولكن ليس بالحقوق السياسية) مثل نظرائهم السوريين، مسألة معقدة. وفي هذا السياق، تغطي وسائل الإعلام السورية بحرية وبشكل مؤيد أي أوضاع تتعلق بالسوريين الفلسطينيين.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
تبرز ثلاث مواقف متميزة داخل وسائل الإعلام السورية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي (AI). فبين المؤسسات الإعلامية المستقلة في المنفى، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يُغيّر جوهر الصحافة نفسها. بينما يعتقد آخرون، على العكس، أن الاستخدام الحكيم لهذه التكنولوجيا قد يُحسّن جودة الوسائل الإعلامية ومدى انتشارها. من جهة أخرى، وبسبب العديد من المشكلات التقنية، لا سيما ضعف الاتصال بالإنترنت، يبدو أن وسائل الإعلام المحلية غير قادرة على المشاركة في هذا النقاش.
المصادر
Anglais
- Soran Rashid, « Un an après la chute d’Assad, les journalistes syriens jouissent de la liberté mais aussi de nouveaux risques », CPJ, 5/12/2025.
- Arabi Facts Hub, « La Syrie en transition : cartographie des théoriciens du complot sur les médias sociaux », 19/05/2025.
- Noura Aljizawi , « La vérité en transition : la désinformation dans la Syrie post-Assad », Institut Tahrir pour la politique du Moyen-Orient, 30/01/2025.
- Vérifier, « Le déluge de désinformation en Syrie après la chute du régime », (s.d.).
- Danielle Summer, « Les femmes journalistes sont autonomisées en Syrie », Maghrebi, 22/08/2025.
عربية
- عدنان علي، ” الإعلام السوري بعد الأسد: محاولة إعادة بناء وسط أزمات تنظيمية ” ، العربي الجديد، 12/08/2025.
- شام السبسبي، ” كيف يبدو واقع الحريات في سوريا في الذكرى الأولى لانتصار الثورة؟ ” ، الجزيرة نت، 12/05/2025.
- ميار مهنا، ” الإعلام الرسمي السوري… أسئلة ما بعد الأسد “, العربي الجديد، 12/5/2025.
- رابطة الصحفيين السوريين، ” نظرة على التحولات بعد سقوط النظام: الإعلام السوري بين التحديات والأمنيات “, 05/03/2025.
- رابطة الصحفيين السوريين، ” ليسوا مجرد أرقام: تقرير خاص حول الصحفيات والصحفيين المختفين قسرياً Publié le 10/01/2025.
سوريا
مراسلون بلا حدود: 177/180 (2025)
مؤشر فريدوم هاوس: 5/100 – غير مجاني (2025)
مؤشر الفساد (منظمة الشفافية الدولية): 12/100 (2024)
حرية التعبير
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أصبحت سوريا تتمتع بحرية تعبير لا سابقة لها، حيث حققت تقدمًا ملحوظًا في المؤشرات العالمية لحرية الصحافة من مراسلون بلا حدود (2025) وفي فريدوم هاوس (2025)، وخاصة بعد أن أصدرت وزارة الإعلام، 19200 تصريح عمل، تم تسليمها للصحفيين المقيمين خلال السنة الفائتة. ومع ذلك، فإن هذه الحرية الجديدة المكتسبة ليست محمية بموجب القانون ولا من قبل المؤسسات ذات بنية جيدة، بما في ذلك النقابات المستقلة.
٢. القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
على الرغم من الإعلان الدستوري (الدستور المؤقت) الصادر في 13 مارس 2025، والذي ينص على أن «تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة» (المادة 13)، تبقى وسائل الإعلام السورية، على الأقل من الناحية النظرية، متسقة مع القوانين الواسعة القمعية منذ عهد نظام الأسد، لم يجتمع حتى الآن مجلس النواب الجديد لمناقشة هذه القوانين.
٣. التعددية
ظهرت التعددية الإعلامية السورية في ثورة 2011، مما سمح بنشوء وسائل إعلام مستقلة، وتضم جميع المتدربين في لغات غير عربية مثل الكرد. تعمل هذه المؤسسات في المنفى وفي المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد القديم. اليوم، من الممكن التأكيد بلا مخاطر على استمرار هذه التعددية. بعد إغلاق النظام السابق، تم إيداع 636 طلب تسجيل عبر من المؤسسات الإعلامية في سوريا.
٤. الرقابة والرقابة الذاتية
أدى انهيار نظام الأسد إلى تلاشي العديد من الخطوط الحمراء والمحظورات، لا سيما فيما يتعلق بالرئيس وعائلته ومحيطه والجيش وقوات الأمن والمسائل العرقية والوضع الاقتصادي. ومع ذلك، فإن غموض القوانين والتوترات الاجتماعية القوية تدفع الصحفيين لممارسة الرقابة الذاتية. فعلى سبيل المثال، يخشى صحفيون محليون وأجانب من رفض منحهم تأشيرة دخول أو حرمانهم من الوصول إلى المسؤولين بسبب انتقادهم للحكومة. كما يساورهم القلق من التعرض لتهديدات جسدية وعبر الإنترنت نتيجة لعملهم.
٥. التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
منذ ثورة 2011، أصبح الواقع السوري أرضًا خصبة للتضليل. أدى سقوط نظام الأسد إلى تفاقم الوضع، من خلال حملات التضليل حملات تضليل أكثر تنظيمًا – ممولة ومروَّجة على المستوى الإقليمي – تهدف إلى نزع الشرعية عن الحكومة السورية الجديدة، ولا سيما إلى تأجيج التوترات وأعمال العنف الطائفية والإثنية بين السوريين.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، ظهرت منصات لتقصّي الحقائق مثل Verify-Sy وtrue_platform وFareq وRadar. كما يتعاون العديد من وسائل الإعلام مع منظمات متخصصة للتحقق من معلوماتهم قبل النشر. وعلاوة على ذلك، أطلقت وزارة الإعلام مبادرة لإعداد ميثاق شرف مهني، شملت تنظيم 16 ورشة عمل في محافظات مختلفة، شارك فيها 600 صحفي.
٦. الحق في الحصول على المعلومات
أصدرت سوريا قانونًا يضمن حق الوصول إلى المعلومات. وبعد سقوط نظام الأسد، أصبح الوصول إلى هذه المواقع أفضل إلى حد كبير، مما يسمح للصحفيين العاملين بحرية أكبر في البلد. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى المسؤولين محدودًا، وقد أعرب الصحفيون السوريون عن قلقهم وإحباطهم إزاء المعاملة التفضيلية التي تُمنح للصحفيين الأجانب أو للصحفيين السوريين العاملين لدى وسائل إعلام ووكالات أنباء دولية.
٧. أمن الصحفيين
على الرغم من التغييرات الملحوظة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، لا يزال الصحفيون السوريون يواجهون تهديدات خطيرة. ووفقًا لجمعية الصحفيين السوريين (SJA) ومقرّها فرنسا، تم توقيف ثلاثة صحفيين احتياطيًا من قبل القوات الحكومية في يونيو/حزيران 2025.
كما أن إعادة تفعيل الحكومة الجديدة للقانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المعلوماتية تُشكّل تهديدًا حقيقيًا، لا سيما للصحفيين. فقد تعرّض هذا القانون لانتقادات منذ اعتماده بسبب فرضه قيودًا فضفاضة وعقوبات مشددة تحدّ من حرية التعبير، مع ملاحظة ارتفاع كبير في الشكاوى المتعلقة بالتحريض على الكراهية والطائفية عبر الإنترنت.
ومع ذلك، فإن أخطر التهديدات تأتي من خارج الإطار الحكومي، نتيجة مشكلات أمنية، وأعمال عنف طائفية، وتراكم النزاعات المستمرة المرتبطة بالحرب، فضلًا عن حالة عدم الاستقرار الإقليمي. وقد وثّقت جمعية الصحفيين السوريين مقتل ثلاثة صحفيين وإصابة اثنين آخرين خلال أشهر مايو/أيار ويونيو/حزيران ويوليو/تموز 2025 على يد أفراد تم التعرف عليهم. كما نجا عدد من الصحفيين من هجمات إسرائيلية في جنوب سوريا، أو تعرّضوا للاحتجاز المؤقت من قبل القوات الإسرائيلية.
٨. آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي، وأكثر من عشر سنوات من الحرب، والعقوبات الدولية، أصبحت وسائل الإعلام السورية تعتمد اليوم بشكل كبير، بل وأحيانًا بشكل شبه حصري، على التمويل الخارجي. فبينما تحظى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بالحكومة بدعم رسمي، تعتمد وسائل الإعلام المستقلة على المساعدات الدولية.
كما تتلقى بعض الوسائل الإعلامية دعمًا من قوى إقليمية، مثل قناة سوريا تي في المموّلة من قطر. ومع ذلك، قد يتيح التخفيف الأخير للعقوبات إمكانية تحقيق إيرادات إعلانية، لا سيما عبر منصات وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.
٩. الإعلام المستقل: الوضع العام والتحديات
تُعدّ نهضة وسائل الإعلام المستقلة إحدى أبرز نتائج ثورة عام 2011. ومن بين أبرز هذه الوسائل التي لا تزال ناشطة: عنب بلدي، الجمهورية، سوريا دايركت، الشبكة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج)، راديو روزنة، وراديو آرتا.
وبالإضافة إلى اعتمادها على التمويل الدولي، فإن جميع هذه المؤسسات الإعلامية – باستثناء عنب بلدي التي أعلنت في مارس/آذار 2025 استئناف الطباعة والتوزيع في دمشق – متاحة حصريًا عبر الإنترنت، مما يحدّ من نطاق وصولها وتأثيرها. ووفقًا لبيانات Datareportal، بلغ معدل انتشار الإنترنت في سوريا 35.8٪ من إجمالي السكان في مطلع عام 2025.
والأهم من ذلك، أن هذه الوسائل تواجه تحدي التطور والتأثير في بيئة شديدة الاستقطاب، دون المساس بموضوعيتها أو بمعاييرها المهنية الأخرى.
١٠. التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
لقد أدت زيادة انتشار المعلومات المضلِّلة والكاذبة، جنبًا إلى جنب مع تغيّر النظام في سوريا، إلى تعزيز الاهتمام بالتربية الإعلامية. ويُعدّ المشروع الأحدث والأبرز في هذا المجال هو المختبر السوري للتربية الإعلامية يركز بشكل أساسي على الصحفيين كمرحلة أولى.
النوع الاجتماعي والإعلام
مثلّت انتفاضة عام 2011 نقطة تحول في مشاركة النساء السوريات في وسائل الإعلام. ومع ذلك، أظهرت دراسة أُجريت عام 2016 أن 38٪ فقط منهن كن يشغلن مناصب قيادية. وبفضل دعم وسائل الإعلام المستقلة السورية والممولين الدوليين، تمّ بذل جهود ملحوظة خلال العام الماضي لتعزيز قدرات الصحفيات من خلال برامج تدريبية متنوعة ومنح دراسية.
١٢. تغطية القضايا البيئية
على الرغم من ندرة، أو حتى غياب، وسائل الإعلام السورية المتخصصة في القضايا البيئية، يبدو أن هذه الاهتمامات تمثل أولوية للوسائل الإعلامية والصحفيين القائمين. ويمكن تفسير هذه الوعي والاهتمام المتزايد بعدة عوامل رئيسية، أبرزها: الآثار البيئية المدمّرة للحرب خلال السنوات الماضية، العواقب الواضحة للتغير المناخي – وخاصة الجفاف –، والدعم المتنامي من الجهات المموِّلة لدور الإعلام في توعية الجمهور والسعي لإيجاد حلول.
١٣. تغطية موضوع الهجرة
بعد سنوات من الحرب، أصبحت سوريا دولة منشأ للاجئين أكثر منها وجهة لهم. ومع ذلك، تظل قضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين وصلوا إلى البلاد بعد النكبة الفلسطينية عام 1948 ويتمتعون منذ ذلك الحين بجميع الحقوق المدنية (ولكن ليس بالحقوق السياسية) مثل نظرائهم السوريين، مسألة معقدة. وفي هذا السياق، تغطي وسائل الإعلام السورية بحرية وبشكل مؤيد أي أوضاع تتعلق بالسوريين الفلسطينيين.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
تبرز ثلاث مواقف متميزة داخل وسائل الإعلام السورية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي (AI). فبين المؤسسات الإعلامية المستقلة في المنفى، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يُغيّر جوهر الصحافة نفسها. بينما يعتقد آخرون، على العكس، أن الاستخدام الحكيم لهذه التكنولوجيا قد يُحسّن جودة الوسائل الإعلامية ومدى انتشارها. من جهة أخرى، وبسبب العديد من المشكلات التقنية، لا سيما ضعف الاتصال بالإنترنت، يبدو أن وسائل الإعلام المحلية غير قادرة على المشاركة في هذا النقاش.
المصادر
Anglais
- Soran Rashid, « Un an après la chute d’Assad, les journalistes syriens jouissent de la liberté mais aussi de nouveaux risques », CPJ, 5/12/2025.
- Arabi Facts Hub, « La Syrie en transition : cartographie des théoriciens du complot sur les médias sociaux », 19/05/2025.
- Noura Aljizawi , « La vérité en transition : la désinformation dans la Syrie post-Assad », Institut Tahrir pour la politique du Moyen-Orient, 30/01/2025.
- Vérifier, « Le déluge de désinformation en Syrie après la chute du régime », (s.d.).
- Danielle Summer, « Les femmes journalistes sont autonomisées en Syrie », Maghrebi, 22/08/2025.
عربية
- عدنان علي، ” الإعلام السوري بعد الأسد: محاولة إعادة بناء وسط أزمات تنظيمية ” ، العربي الجديد، 12/08/2025.
- شام السبسبي، ” كيف يبدو واقع الحريات في سوريا في الذكرى الأولى لانتصار الثورة؟ ” ، الجزيرة نت، 12/05/2025.
- ميار مهنا، ” الإعلام الرسمي السوري… أسئلة ما بعد الأسد “, العربي الجديد، 12/5/2025.
- رابطة الصحفيين السوريين، ” نظرة على التحولات بعد سقوط النظام: الإعلام السوري بين التحديات والأمنيات “, 05/03/2025.
- رابطة الصحفيين السوريين، ” ليسوا مجرد أرقام: تقرير خاص حول الصحفيات والصحفيين المختفين قسرياً Publié le 10/01/2025.
اليمن
مؤشر مراسلون بلا حدود: يحتل اليمن مرتبة متدنية عالميًا، حيث جاء في المرتبة ١٥٤ من أصل ١٨٠ دولة.
مؤشر فريدوم هاوس: غير حر، بمجموع نقاط ١٠ من ١٠٠، منها ١/٤٠ للحقوق السياسية و٩/٦٠ للحريات المدنية.
مؤشر مدركات الفساد (منظمة الشفافية الدولية): احتل اليمن المرتبة ١٧٣ من أصل ١٨٠ دولة.
حرية التعبير
منذ اندلاع النزاع، تدهورت حرية التعبير في اليمن بشكل حاد، وأصبح العمل الصحفي شديد الخطورة ومُجرَّمًا فعليًا. في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أدت الخطابات العدائية التي تصوّر الصحفيين كتهديدات أمنية إلى القضاء شبه التام على الإعلام المستقل وتحويل هذه المناطق إلى بيئات إعلامية مغلقة. أما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا والقوات المتحالفة معها، فتستمر الانتهاكات بدرجات متفاوتة، ما يعكس غياب إطار وطني فعّال لحماية حرية التعبير.
بين عام ٢٠١٥ ونهاية ٢٠٢٥، تم توثيق أكثر من ٢٦٢٩ انتهاكًا ضد الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، بما في ذلك ٦٩ حالة قتل و٥٣١ حالة اعتقال أو إخفاء قسري. ويُعد عام ٢٠٢٥ من أكثر الأعوام دموية، حيث سُجلت فيه ١٥ حالة قتل، وهو أعلى رقم سنوي منذ بداية النزاع.
حتى نهاية ٢٠٢٥، لا يزال ١١ صحفيًا محتجزين بسبب عملهم الصحفي، بينهم ١٠ لدى جماعة الحوثي وواحد لدى المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، وقد أمضى بعضهم قرابة عقد من الزمن في الاحتجاز دون محاكمات عادلة.
كما يزيد القمع الرقمي من حدة هذه الانتهاكات، إذ شهد اليمن منذ ٢٠١٥ انقطاعات متكررة للإنترنت وحجبًا للمواقع الإخبارية ومنصات التواصل، خاصة في مناطق سيطرة الحوثيين. وبسبب اعتماد السكان الكبير على مزود إنترنت واحد، فإن حتى الانقطاعات الجزئية تؤثر على مستوى البلاد، مما يقوض الوصول إلى المعلومات وحقوقًا أساسية أخرى مثل التعليم والصحة.
القوانين والتشريعات المتعلقة بالإعلام
لم يشهد اليمن أي تحديثات تشريعية لقوانين الإعلام أو القوانين الرقمية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك عام ٢٠٢٥، بسبب الشلل التشريعي الناتج عن النزاع والانقسام السياسي. عمليًا، فرضت السلطات الأمر الواقع—خاصة جماعة الحوثيين—إجراءات إدارية وأمنية تقييدية، تشمل الترخيص الإجباري، ورسومًا غير رسمية، وتدخُلات للكشف عن مصادر التمويل وبيانات الموظفين. وتُرافق هذه الإجراءات تهديدات صريحة بالإغلاق والمصادرة والحظر للمؤسسات غير الملتزمة، مما يضيق مساحة الصحافة المستقلة.
التعددية
شهدت التعددية الإعلامية في اليمن تآكلًا هيكليًا شديدًا. ففي مناطق سيطرة الحوثيين، تكاد التعددية تكون منعدمة، حيث أُغلقت أو صودرت أو حُجبت معظم الوسائل غير الموالية. واضطر الصحفيون إلى ترك المهنة أو العمل بأسماء مستعارة أو عبر منصات صغيرة منخفضة الظهور، ما أدى إلى شكل من “التعددية الخفية” ذات تأثير محدود.
في المقابل، توجد مساحة أوسع نسبيًا لكنها هشة في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا، حيث لا تزال معظم الوسائل الإعلامية مرتبطة بتمويل سياسي أو حزبي، بينما تواجه المبادرات المستقلة ضغوطًا أمنية ومالية ومهنية تحدّ من استدامتها وقدرتها على تمثيل تنوع المجتمع.
الرقابة والرقابة الذاتية
تُفرض الرقابة في اليمن غالبًا عبر ممارسات غير رسمية وقسرية، خاصة عند نقاط التفتيش. ووفق تقرير منصة مرصد الحريات الاعلامية في اليمن لعام ٢٠٢٥ (مرصدك)، أفاد ٧٦.٢% من الصحفيين بتفتيش أجهزتهم الإلكترونية، و٥١,٥% بتعرضهم لابتزاز مالي مباشر.
أدت هذه الممارسات إلى انتشار واسع للرقابة الذاتية؛ إذ أفاد ٦٩% من الصحفيين بتقييد تغطيتهم الميدانية، بينما توقف ١٢% عن التنقل تمامًا خوفًا من الانتهاكات. كما أن ٨١.٨% من الصحفيين المتضررين لم يبلغوا عن الانتهاكات بسبب الخوف من الانتقام وغياب آليات المساءلة. عمليًا، أصبح مجرد حيازة مواد صحفية أو تواصل مهني خطًا أحمر.
التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة
بحلول عام ٢٠٢٥، يعمل الصحفيون في اليمن ضمن بيئة معلوماتية مليئة بالتضليل، وخصوصا في المواضيع المتعلقة في التغطية اليومية للتطورات السياسية، والعسكرية والاقتصادية والإنسانية.
وفق بيانات منصة “حقيقة” للتحقق، تم نشر ١٦٩ مادة تحقق في ٢٠٢٥، منها ١٢٥ مصنفة كمحتوى مضلل و٣٧ كمحتوى كاذب، ما يعكس حجم واستمرارية الظاهرة.
ورغم وجود عدة مبادرات محلية (٩ مبادرات رئيسية) لمكافحة التضليل، فإن الجهود لا تزال تفاعلية—تركز على تفنيد المحتوى بعد انتشاره—بدلاً من إدماجها في سياسات غرف الأخبار أو أنظمة التحقق المسبق، وذلك بسبب محدودية التمويل والقدرات المؤسسية. ومع ذلك، ساهمت برامج التدريب في تعزيز مهارات التحقق لدى الصحفيين.
الحق في الحصول على المعلومات
يواجه الصحفيون في اليمن عوائق كبيرة في الوصول إلى المعلومات الرسمية رغم وجود قانون الحق في الحصول على المعلومات (رقم ١٣ لسنة ٢٠١٢). لكن في حقيقة الأمر، لا يتم تنفيذ القانون؛ إذ تُهمل الطلبات أو تُرفض، وتفتقر المؤسسات الحكومية لوحدات معلومات فعّالة، ولا توجد هيئة رقابية مستقلة لضمان الامتثال للقانون. كما يحدّ النزاع والانقسام المؤسسي والمخاطر الأمنية وثقافة السرية من الوصول إلى المعلومات، مما يدفع الصحفيين للاعتماد على مصادر غير رسمية ويزيد المخاطر المهنية والقانونية. وبالتالي، فإن الحق في المعلومات معترف به قانونيًا لكنه غير مُطبَّق فعليًا.
أمن الصحفيين
يواجه الصحفيون في اليمن تهديدات أمنية خطيرة تشمل التهديد، والاعتداء الجسدي، والاحتجاز التعسفي، ومصادرة الأجهزة، وإجبارهم على كشف مصادرهم، خاصة أثناء التنقل بين المحافظات أو تغطية قضايا حساسة. وتؤدي هذه المخاطر إلى تقويض السلامة الشخصية وسرية المصادر وتعزيز الرقابة الذاتية، مما يحد بشدة من التغطية المستقلة.
آليات التمويل والاستدامة في الأعلام
تعتمد وسائل الإعلام التقليدية بشكل كبير على تمويل سياسي أو حزبي من أطراف النزاع أو جهات مرتبطة بها، مما يحد من استقلاليتها التحريرية ويربط استدامتها بالولاء السياسي بدلًا من الأداء المهني.
أما وسائل الإعلام المستقلة، فتعمل ضمن نماذج هشة تعتمد على المنح الدولية، والدعم غير الربحي، والإعلانات الرقمية المحدودة، والعمل التطوعي، وفي كثير من الحالات العمل من المنفى. وتعتمد هذه الوسائل على هياكل منخفضة التكلفة ومرنة للبقاء، إلا أن الاستدامة المالية طويلة الأمد تظل صعبة المنال.
الإعلام المستقل: الواقع والتحديات
يتكون الإعلام المستقل في اليمن من عدد محدود من المنصات الرقمية ذات جمهور صغير لكنه متفاعل، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم تمتّع هذه الوسائل غالبًا بمصداقية أعلى من الإعلام الحزبي، فإن تأثيرها يظل محدودًا بسبب التهديدات الأمنية، ونقص التمويل، والقيود التقنية، واستمرار الرقابة، ما يضطرها للعمل بموارد وطاقم محدودين.
التربية الإعلامية: التطورات والتحديات
يفتقر اليمن إلى سياسة وطنية فعالة في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية، كما أن هذا المجال شبه غائب عن المناهج التعليمية الرسمية. وتُقود الجهود الحالية من قبل المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية عبر مبادرات تدريب وتوعية متفرقة. وعلى الرغم من أهميتها، تظل هذه الجهود مجزأة وغير كافية لمواجهة الانتشار الواسع للمعلومات المضللة.
النوع الاجتماعي والإعلام
تواجه الصحفيات تمثيلًا منخفضًا وتحديات مضاعفة تشمل المخاطر الأمنية والقيود الاجتماعية والتمييز. ومع ذلك، برزت نحو ١٩ مبادرة إعلامية تقودها نساء في السنوات الأخيرة، وأسهمت في تقديم تغطية أكثر مهنية وقائمة على الحقوق لقضايا النوع الاجتماعي. ورغم تأثيرها النوعي، تظل هذه المبادرات محدودة بسبب نقص التمويل والمخاطر الأمنية وضعف الوصول للجمهور.
تغطية القضايا البيئية
تحظى القضايا البيئية بتغطية إعلامية محدودة وغير منتظمة، وغالبًا ما تُطرح في سياق الكوارث مثل الفيضانات والجفاف وشح المياه، بدلًا من تناولها كقضايا هيكلية مرتبطة بالتنمية وحقوق الإنسان. ومع ذلك، ساهمت منصات متخصصة مثل “حلم أخضر” و“ريف اليمن” و“سّد المناخ” و“روح الأرض” وشبكة التحول للطاقة المتجددة في اليمن في استمرارية التغطية البيئية، وإن كان تأثيرها العام محدودًا مقارنة بحجم التحديات البيئية.
تغطية قضايا الهجرة
تواجه التغطية الصحفية لقضايا الهجرة والنزوح قيودًا كبيرة بسبب انعدام الأمن، وصعوبة الوصول إلى مناطق العبور، ونقص البيانات الرسمية، وخوف المهاجرين من الإدلاء بشهاداتهم. كما تعيق الموارد المحدودة ونقص التدريب المتخصص إعداد تقارير معمقة، مما يجعل التغطية غالبًا متقطعة ومرتبطة بالأزمات بدلًا من كونها تحليلية ومستدامة.
تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في قطاع الإعلام
لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام اليمني محدودًا ومتدرجًا، ويُستخدم أساسًا في التحقق من المعلومات، وتحليل المحتوى، والترجمة، والتفريغ النصي، والتحقق من المواد البصرية. وتُستخدم هذه الأدوات كوسائل دعم وليست بدائل تحريرية.
ورغم أن مبادرات التدريب ساهمت في رفع الوعي بإمكانات الذكاء الاصطناعي ومخاطره، فإن انتشاره يظل محدودًا بسبب ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص التمويل، وغياب أطر تنظيمية أخلاقية ومهنية.